لم تغب السياسة عن أجواء الدورة الـ98 من جوائز أوسكار التي أقيمت في مسرح دولبي في لوس أنجليس مساء الأحد بالتوقيت المحلي (فجر اليوم الاثنين بتوقيت القدس المحتلة)، إذ استغل عدد من الفنانين حضورهم على السجادة الحمراء وعلى منصة الحفل لتوجيه رسائل سياسية.
كان الممثل الإسباني خافيير بارديم من أبرز الأصوات التي حملت رسالة سياسية خلال الحفل، حين صعد إلى المسرح لتقديم جائزة أفضل فيلم دولي. وقبل إعلان الفائز، قال أمام الجمهور: "لا للحرب... والحرية لفلسطين".
وصل بارديم إلى الحفل مرتديًا شارة على سترته تحمل عبارة "لا للحرب"، وهو الشعار الذي اشتهر في إسبانيا خلال الاحتجاجات الواسعة ضد غزو العراق عام 2003، وعاد مجددًا للظهور في ظل الموقف الإسباني من الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وأوضح الممثل الإسباني في تصريحات إعلامية على السجادة الحمراء أن الشعار نفسه الذي استخدمه قبل أكثر من عقدين عاد اليوم إلى الواجهة.
أضاف أن الفن ينبغي ألا ينفصل عن قضايا المجتمع قائلًا: "لا أعرف إن كانت ستكون حفلة احتجاجية، لكنني سأفعل ما أستطيع. ما أريده هو أن يتحدث الناس بلا خوف ويقولوا ما يريدون قوله. يمكن للمرء أن يكون جزءًا من هذا العرض الكبير وفي الوقت نفسه مواطنًا يعبر عن رأيه".
من جهته، عبّر الكاتب والممثل الإسباني كارلوس بارديم عن فخره بموقف شقيقه، مشيرًا في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن رسالة "لا للحرب" ستظهر على منصة أوسكار إلى جانب رمز الطفل الفلسطيني "حنظلة"، في إشارة رمزية إلى التضامن مع الفلسطينيين.
في مقابلة مع مجلة فارايتي، أعربت الممثلة اليهودية هانا آينبايندر عن تقديرها لموقف بارديم خلال الحفل، وكذلك لتاريخه الحافل بالمواقف السياسية. وقالت: "كان شعورًا بالفخر والامتنان العميقين. من الواضح أنه صريح جدًا في مواقفه ولطالما كان كذلك دائمًا. وأنا أقدر حقًا صوته في مثل هذا المكان حيث لم ينبس أحدٌ ببنت شفة".
آينبايندر، المعروفة بانتقادها العلني لإسرائيل وتضامنها مع الفلسطينيين، ارتدت دبوس (Artists4Ceasefire) في حفل "غولدن غلوب" و"جوائز اختيار النقاد". وفي تصريحات أدلت بها خلال حفل "إيمي" العام الماضي، حين فازت بجائزة أفضل ممثلة مساعدة عن مسلسل "هاكس" (Hacks)، وأوضحت موقفها بالقول: "أشعر بأن من واجبي، بوصفي يهودية، أن أميّز بين اليهود ودولة إسرائيل، لأن ديننا وثقافتنا مؤسستان مهمتان وعريقتان، ومنفصلتان تمامًا عن هذا النوع من الدولة الإثنية القومية".
لم يكن بارديم وآينبايندر الوحيدان اللذان حملا رسالة سياسية خلال الحفل. فقد ظهر المخرج الإسباني أوليفر لوكسي على السجادة الحمراء مرتديًا دبوسًا على شكل بطيخة، وهو الرمز الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى علامة تضامن مع الفلسطينيين. وقال في تصريحات صحافية إن على الناس "أن يحملوا في وعيهم ألم الآخرين وأن يساعدوا على تحمله".
كما حضرت سجى كيلاني، بطلة فيلم "صوت هند رجب" (The Voice of Hind Rajab)، مرتدية دبوسًا يحمل شعار "فنانون من أجل وقف إطلاق النار… سلام عادل"، في دعوة إلى إنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة. أما مخرجة الفيلم التونسية كوثر بن هنية فقد انتقدت غياب الممثل الفلسطيني الرئيسي، معتز ملحيس، عن الحفل بسبب القيود المفروضة على دخول الفلسطينيين إلى الولايات المتحدة.
يتضمّن "صوت هند رجب" تسجيلات حقيقية لمكالمات الطوارئ، مع أداء تمثيلي لإعادة تجسيد اللحظات الأخيرة للطفلة البريئة هند رجب التي قتلها جنود إسرائيليون عمدًا في سيارة تقلّها مع أقارب لها إلى "مكان آمن" في غزة، في 29 يناير/ كانون الثاني 2024. والفيلم كان مرشحًا لنيل جائزة أوسكار في فئة أفضل فيلم دولي طويل التي حصل عليها في النهاية "سنتيمنتال فاليو" (Sentimental Value)، ليصبح أول فيلم نرويجي يفوز بهذه الجائزة.
تأتي هذه الرسائل السياسية في وقت يشهد فيه العالم تصعيدًا عسكريًا واسعًا، ما انعكس حتى على أجواء الحفل في لوس أنجليس، حيث جرى تعزيز الإجراءات الأمنية حول مسرح دولبي بعد تحذيرات أمنية من احتمال وقوع هجمات بطائرات إيرانية مسيّرة، قبل أن تنفي السلطات الأميركية وجود تهديد محدد.
مع أن مضامين حفل أوسكار هذه السنة خلت من إشارات مباشرة إلى الحرب على إيران، إلا أنها كانت أكثر سياسية مقارنة بالسنوات السابقة. فالمخرج بول توماس أندرسون أشار أنه كتب فيلمه "وان باتل آفتر أنذر" (One Battle After Another) لأطفاله بمثابة اعتذار عن "الفوضى التي تركناها في هذا العالم الذي سنسلمه لهم".
من جانبه، وفي لحظة نادرة من الجدية، قال مقدم الحفل كونان أوبراين إن حفل جوائز أوسكار يكتسب أهمية خاصة "في لحظات كهذه"، في إشارة عامة إلى الأزمات العالمية المتعددة. وأضاف: "نحتفي الليلة ليس فقط بالسينما، بل أيضًا بقيم الفن العالمي والتعاون والصبر والمرونة، وبأندر الصفات اليوم: التفاؤل".
أما فئة أفضل فيلم وثائقي التي غالبًا ما تحمل أعمالها رسائل سياسية واضحة، فقد شهدت بدورها تعليقات اجتماعية. وقال ديفيد بورنستين، أحد مخرجي فيلم "مستر نوبودي أغينست بوتين" (Mr. Nobody Against Putin)، إن الفيلم يتناول "كيف يمكن أن تخسر بلدك". وأضاف أن ذلك يحدث عبر "عدد لا يحصى من الأفعال الصغيرة من التواطؤ، مثل عندما تقتل حكومة الناس في شوارع المدن الكبرى أو عندما يسيطر الأوليغارشيين على وسائل الإعلام". وأضاف: "نواجه جميعًا خيارًا أخلاقيًا، لكن لحسن الحظ حتى الشخص المجهول قد يكون أكثر قوة مما يظن".
كما استغلت منظمات أخرى أجواء الحفل لجذب الانتباه إلى قضاياها. فقد أطلقت منظمة فري برس (Free Press) لوحة إعلانية متنقلة جابت محيط مسرح دولبي احتجاجًا على الاستحواذ المحتمل لشركة "باراماونت سكاي دانس" على شركة "وارنر براذرز ديسكفري".