اوراق مختارة

لبنان أسير الرهاب الأميركي والاستباحة الصهيونية.. والسيادة حبر على ورق

post-img

محمد الحسيني/ موقع العهد الإلكتروني

يتجاوز الحديث في تقويم الوضع المأزوم على الساحة اللبنانية الانقسام السياسي الحاد ليصل إلى فرز المواقف بين اتّجاهين، الأول: يتمسّك بخيار المقاومة والمواجهة سبيلًا أوحد لتحرير لبنان من الهيمنة الأميركية والاحتلال "الإسرائيلي"، والثاني: يؤمن بخيار الاستسلام والخضوع وتسليم مقاليد إدارة البلاد للخارج والقبول بدور سياسي محدّد أو بموقع إداري على غرار نظام الانتداب أو حكم المتصرّفية.

وصل مستوى هذا الفرز اصطفاف تعدّى مجال الخصومة ليأخذ شكل العداوة ومحاباة العدوّ الصهيوني وتبنّي مواقفه وشعاراته، إلى حد المطالبة باستهداف شريحة كبيرة من الشعب اللبناني وحصارها وتهجيرها وإبادتها عن بكرة أبيها. هذا ما يعكس خطابًا طائفيًا وعنصريًا يعود بلبنان إلى المرحلة التي سادت قبل الحرب الأهلية (1975) وخلالها. أما الحكومة ومؤسساتها الرسمية والقانونية؛ فهي إما غائبة عن المحاسبة ووضع حد للإيغال في هذا الخطاب أو متجاهلة عن قصد وعمد، وهذا بحد ذاته يعدّ منحًى خطيرًا ينذر بانقلاب الدولة على نفسها.

تبقى المقاومة، في أبعادها الوطنية والوجدانية، خارجة عن هذه الاصطفافات في أهدافها وتطلّعاتها إلى بناء وطن بعيد عن الارتهان والتبعية. هي التي استعادت مجد لبنان وسيادته بقهر الاحتلال وإجباره على الانسحاب الذليل من دون قيد أو شرط، في العام 2000، وأجهضت مشروع "الشرق الأوسط الجديد" بانتصارها على التحالف "الإسرائيلي"  - الدولي، في العام 2006، وكرّست معادلة "جيش وشعب ومقاومة" نهجًا يختصر إستراتيجية دفاعية شاملة تتجسّد فيها وحدة وطنية يجتمع حولها اللبنانيون، على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم الدينية والسياسية، وما تزال على عقيدتها وإيمانها بأن لبنان الدولة والكيان لا يمكن له الصمود والاستمرار وتحصين سيادته وقراره إلا باعتماد خيار المواجهة الذي أثبت نجاعته على مدى أكثر من أربعين عامًا. هي ماضية في هذا الخيار؛ على الرغم من التضحيات الكبيرة التي تكبّدتها خلال حرب أيلول في العام 2024.

في المقابل؛ تمظهر أصحاب الاتّجاه الآخر في مجموعات منظّمة تولّت شنّ حملات سياسية وإعلامية محمومة وعالية النبرة، وبنسق ممنهج وبتعليمات مدروسة. واللافت فيها ارتفاع مستوى الخطاب المباشر الذي لم يترك وسيلة ناعمة أو خشنة إلا واستخدمها سعيًا لشيطنة المقاومة وبيئتها وطائفتها ومحاولة حشرها في حسابات ضيقة لا ترقى إلى موازين الوطنية في شيء.

ينقسم هؤلاء فريقين، أحدهما لا يخجل من موالاته وتبعيته للولايات المتحدة و"إسرائيل"؛ مشرّعًا أبواقه الحزبية والوزارية والنيابية للتهجم على المقاومة وبيئتها، فيما الآخر يعلن هذا الولاء بطريقة مقنّعة بتحميل المقاومة المسؤولية عمّا يرتكبه العدوّ من اعتداءات وحشية يومية بحق لبنان. لا يتورّع هؤلاء عن تبرئة "إسرائيل" من جرائمها وممارساتها الإرهابية بذريعة أن المقاومة هي التي بدأت بالحرب واستدرجت العدوّ لشن عدوانه، ويغفلون عن عمد مواقف مسؤولي العدوّ التي تجاهر بمطامعه في قضم لبنان كلّه تحقيقًا للحلم الصهيوني التاريخي بتنفيذ مشروع "إسرائيل الكبرى".

انكشفت الأوراق كلّها، وانقسم البلد ضفتين لا ثالث لهما، فإما أن تكون مع المقاومة ومع الاستقلال الحقيقي للبلاد وإما أن تكون مع أميركا و"إسرائيل" ومع الاستسلام الكامل للبلاد.

أما البدعة الجديدة – القديمة؛ فهي تعمّد إقحام أسماء ووجوه وتيارات شيعية في حمأة التهجّم على المقاومة في محاولة يائسة ومكشوفة لإظهار أصوات معارضة من قلب الطائفة ممّن يتبنّون مواقف التيار الانعزالي. هم يعلمون بأن هؤلاء لا يمثّلون سوى شرذمة لفظتها بيئة المقاومة منذ زمن، ولا مكان لها أو أثر في هذه البيئة الوفيّة، فدفع بهم اليأس إلى السعي لإرباك التحالف الوثيق بين حزب الله وحركة أمل مراهنين على محاولة عزل الرئيس نبيه برّي عن قيادة هذه البيئة وتصنيفه في موقع وسطي. هذا الرهان ليس في مكانه على الإطلاق، فالرئيس برّي، اليوم، هو الأب السياسي للطائفة الشيعية والحامي الأول لبيئة المقاومة والمدافع القوي عن الجنوب وأهله، ولا حاجة لاستحضار مواقفه الراسخة في هذا السياق.

لعلّ أعمق تجليّات الأزمة اللبنانية تتمثّل بأداء بعض مؤسسات الدولة اللبنانية، والذي يثبت يومًا بعد يوم أنها في عالم غير موازي للواقع وغير آبهة بالتداعيات التي يتركها هذا الأداء على الشأن الداخلي.

إذ إن الهاجس الوحيد عند البعض هو تطبيق بنود الورقة الأميركية التي سبق أن بلّغها الكاوبوي الأميركي الوقح "توم برّاك" للحكومة. إذ لم يكد الجيش اللبناني يعلن انتهاء مهامه المولج بها في جنوب الليطاني، وفقًا لما نصّ عليه اتفاق وقف إطلاق النار، حتّى انطلقت المواقف الداعية لاستكمال نزع سلاح المقاومة شمالي الليطاني، على أساس أن "المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح شكّلت حدثًا تاريخيًا"، مع العلم بأنه لولا التعاون الوثيق والتنسيق العالي بين قيادتي المقاومة والجيش لما كان لهذا "الحدث التاريخي" أن يحصل، وهو ما يعكس حرص القيادتين على الأمن والاستقرار.

في هذا السياق؛ علّقت أوساط مراقبة على اللهجة المتوتّرة التي بدأت تطغى على تعابير بعض هذه المواقف من قبيل "السيطرة" على الحدود الشرقية والشمالية، و"القانون سيطبق على الكل" و "لا تراجع في عملية حصر السلاح"؛ فضلًا عن تكرار معزوفة "بسط سلطة الدولة واستعادة قرار الحرب والسلم". رأت تلك الأوساط أن هذه التعابير توحي وكأنه لم يكن هناك أمن وقانون وسيطرة للدولة في الحقبات السابقة، وأنها كانت غائبة عن الجنوب طوال العهود الرئاسية والحكومية السابقة، وهذا منافٍ للحقيقة والتاريخ، وتؤكده الوقائع السياسية والميدانية منذ العام 2000، لا سيما بعد انتصار العام 2006، حين كانت الدولة بأجهزتها الرسمية العسكرية والأمنية منتشرة على كامل الحدود الجنوبية والشرقية والشمالية وفي المناطق اللبنانية كبها؛ حيث خاضت مع المقاومة جنبًا إلى جنب معركة تحرير الجرود في العام 2017، وسجّل جنود الجيش اللبناني وقفات مشرّفة في مواجهة اختراقات العدوّ عند الحدود في أكثر من منطقة.

تضيف الأوساط أن التنكّر لهذه الحقيقة لا يقدّم صورة إيجابية للحكومة وبعض وزرائها بقدر ما يضعها في موقع مساءلة؛ لا سيما وأنها لا تكلف نفسها عناء التعليق على جرائم الاحتلال إلا بعدما تنهال الانتقادات والمطالبات. كأن سقف الواجبات الحكومية بات إصدار بيان استنكار؛ فيما الواجب الذي يفرضه المنطق الوطني على الدولة كلّها أن تستنفر أجهزتها ومؤسساتها السياسية والأمنية العسكرية للردّ على العدوان وتطبيق ما جاء في خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، من تحرير الأرض المحتلة ووقف العدوان وتحرير الأسرى وإعادة إعمار ما هدمته الحرب الأميركية - "الإسرائيلية"، في الجنوب والبقاع والضاحية وفي المناطق اللبنانية المستهدفة كلها.

لبنان، وإن كان يشهد انقسامًا داخليًا، لكنّ هناك أيضًا انفصامًا حادًّا في الرؤية والأداء إزاء المخاطر التي تتهدّد لبنان ومعاناة بائنة من رهاب السيطرة الأميركية والخوف من التأنيب بسبب التقصير في تصعيد الهجوم على المقاومة وبيئتها.

هذه الحكومة لم تقل لنا، حتّى اليوم، كيف ستردع استمرار العدوان الصهيوني على لبنان وما نتائج المساعي الدبلوماسية التي يتمسّك بها في حل هذه الأزمة!؟ ولم تقل لنا كيف ستعيد إعمار القرى المهدّمة وتؤمن عودة الجنوبيين إلى منازلهم!؟ ولم تقل لنا كيف ستؤمن الحماية للشعب اللبناني الذي يواجه الموت كلّ يوم بفعل الغارات الحربية والمسيّرة، والتي لم توفّر الحجر والبشر وحتّى الآليات الزراعية والإنمائية!؟ ولم تقل لنا كيف ستحرّر الأسرى اللبنانيين القابعين في سجون العدو!؟

هل ستقوم بكلّ ذلك عبر نزع سلاح المقاومة وجعل لبنان ساحة مفتوحة أكثر للاستباحة الصهيونية والإمعان في العدوان، أم بإعلان استسلام الضعيف أمام القوي المستكبر!؟ وهل تستطيع بذلك استعادة قرار الحرب والسلم وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية!؟

إن "إسرائيل" - وفقًا لما تحدثت عنه مصادر صحافية - تريد أن تفرض إرادتها وتُخضِع لبنان، فهي منذ إعلان اتفاق وقف إطلاق النار لم تقدّم شيئًا على الرغم من كلّ ما قدّمه لبنان، ولم تبدِ أي إشارة إلى استعدادها لتقديم أي شيء؛ بل هي تطلب وتطلب ولا تريد أن تقدّم شيئًا، وعندما يُستجاب لطلبها تطلب أكثر..!

على الرغم من عدم فعالية لجنة الميكانيزم وما عبّرت عنه هذه اللجنة منذ تشكيلها من انحياز كامل للعدو، فإنّ "إسرائيل" تريد تطييرها وفرض مسارات وأطر جديدة تمكّنها من فرض إرادتها على لبنان والالتزام بالقواعد السياسية وغير السياسية التي تحدّدها. لنا، في هذا الإطار، العودة إلى ما قاله رئيس الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم من أنّ: "إسرائيل تطرح أمورًا قاسية"، فكيف تريد هذه الحكومة من المقاومة وبيئتها أن تسلم سلاحها وترفع الراية البيضاء!؟

في الحقيقة أن لا وجود لسيادة في لبنان؛ إنما هناك خضوع وانبطاح أمام الإملاءات الخارجية، ولا حماية للشعب الصامد في وجه العدوان الصهيوني والصابر على تجاهله من الدولة؛ بل تنكّر لأبسط حقوقه، والتي هي أسمى من أي سيادة لفظية أو اسمية. هل حاجة الشعب إلى دولة لا تقوم بواجباتها في رعايته وتأمين عناصر صموده واستمراره وتوفير مقوّمات عيشه الكريم!؟

إن كان هناك من يراهن على توهين هذا الشعب أو ثنيه عن ثوابته في احتضان المقاومة ودعمها وتحصينها، في سبيل لبنان الوطن الجامع، فإن رهانه سيخيب حتمًا.. كما أن حملات التحريض المسعورة وبروباغندا الفتنة، والتي تسوّقها أبواق السفارات والغرف السوداء، سترتدّ على مطلقيها عاجلًا أم آجلًا، ومن يوقد نار الفتنة سيحترق بها، ومن يتدفأ بغير جلده لن يواجه سوى الصقيع.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد