اوراق خاصة

18,000 كارثة تنتظر لبنان.. فهل نسبق الانهيار؟

post-img

محمد باقر ياسين

عاد شبح انهيار المباني السكنية ليخيّم على اللبنانيين مع الحوادث الأخيرة، أبرزها انهيار مبنى "آل المير" المأهول في طرابلس؛ على الرغم من التحذيرات المسبقة. هذه الفاجعة الجديدة تؤكد أن الانهيارات ليست حوادث معزولة، هي أزمة بنيوية مزمنة تهدد السلامة العامة.

لبنان اليوم يواجه كارثة محتملة في آلاف المباني القديمة والمتصدعة، ومع غياب المسح الوطني الشامل وتطبيق القوانين واستمرار العدوان الإسرائيلي؛ فإن أي تأخير في المعالجة قد يحوّل هذه الأبنية إلى قنابل صامتة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أبرز حوادث انهيار الأبنية السكنية في لبنان

سجّل لبنان، خلال السنوات الماضية، سلسلة من حوادث انهيار المباني السكنية، عكست حجم الخلل المتراكم في واقع السلامة الإنشائية([1]):

1- 2012 – بيروت (الأشرفية): انهيار مبنى سكني أدى إلى مقتل نحو 20 شخصًا. نقطة تحوّل جعلت السلطات تدرك خطورة الأبنية المتصدعة.

2- 2019 – طرابلس (الميناء): انهيار “مبنى الفوال”، ما أسفر عن مقتل شاب وشقيقته. أثارت الحادثة احتجاجات على غياب الصيانة.

3- 2021 – طرابلس (القبة): سقوط شرفة أدى إلى وفاة شقيقتين وإصابة آخرين، أبرز هشاشة الأبنية القديمة.

4- 2023 – المتن الأعلى (المنصورية): انهيار مبنى “إدموند يزبك – بلوك د” بعد عاصفة مطرية، ما أدى إلى مقتل ثماني نساء.

5- 2024 – الشويفات: انهياران لمبنيين خلال أقل من عشرة أيام، أسفرا عن مقتل أربعة أشخاص.

6- 2026 – طرابلس (القبة): انهيار “مبنى آل المير”، أدى إلى مقتل اثنين من أفراد العائلة وإصابة ثلاثة آخرين على الرغم من صدور تحذيرات رسمية بالإخلاء.

الانهيارات من حوادث متفرقة إلى أزمة وطنية

قبل العام 2012 كانت الانهيارات تحدث بشكل متفرق، غالبًا نتيجة آثار الحرب الأهلية(1975) أو الإهمال المزمن، ولم تُعامل على أنها قضية رأي عام. لكن حادثة الأشرفية كشفت رسميًا وجود آلاف الأبنية المتصدعة.

اليوم، طرابلس وحدها تضم نحو 1,000 مبنى تستدعي إخلاءً عاجلًا، بينها 105 مبانٍ حرجة جدًا، وعلى المستوى الوطني هناك بين 16,000 و18,000 مبنى مهدد بالانهيار([2]).

طرابلس… بؤرة الخطر الأكثر إلحاحًا

مدينة طرابلس تتصدر المدن اللبنانية الأكثر عرضة لانهيار الأبنية بسبب:

1- الهزات الأرضية: زلزال فبراير/شباط 2023 أسهم في توسيع الشقوق في المباني القديمة، لا سيما المبنية قبل العام 2005.

2- الطبيعة الجيولوجية: سهول رسوبية وتربة ساحلية تزيد من خطر تمييع التربة في أثناء الزلازل، ما يؤدي إلى ميلان أو غرق الأساسات.

3- العوامل المناخية: الأمطار والسيول تؤدي إلى تآكل الخرسانة وحديد التسليح.

الإحصاءات: نحو 500–600 مبنى مهدد بالإخلاء الفوري، بينها 105 مبانٍ حرجة جدًا. أي هزة تزيد عن 6 درجات على مقياس ريختر قد تؤدي إلى كارثة شاملة([3]).

أرقام مقلقة وغياب المسح الوطني

1- الأبنية المهددة بالسقوط: 16,000 – 18,000 مبنى، تتركز 65% منها في بيروت الكبرى وطرابلس.

2- الأبنية المتضررة جزئيًا من العدوان الإسرائيلي: نحو 90,000 منشأة، منها 23,500 مبنى مدمر بالكامل، نحو 100,000 وحدة سكنية متضررة، 29% منها غير صالحة للسكن([4]).

3- مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية وبيروت: آلاف الأبنية بحاجة لترميم عاجل.

4- العوامل الطبيعية… محفّز لا سبب وحيد

5- الهزات الأرضية تسهم في تسريع الانهيارات، لا في إحداثها بشكل مباشر.

6- الأمطار الغزيرة والرطوبة تتسبب في صدأ الحديد وتفكك الخرسانة.

7- الملوحة والرطوبة في المدن الساحلية تسرع تلف الهياكل المعدنية للمباني القديمة.

تداعيات العدوان… قنابل مؤجلة

الاهتزازات الناتجة عن القصف "الإسرائيبي" أضرت بهياكل الأبنية المجاورة، حتى إذا لم تنهدم كليًا، ما جعلها خطرًا صامتًا.

الضاحية الجنوبية وبيروت سجلت أضرارًا واسعة، الجنوب نحو 17,842 مبنى متأثرًا، النبطية نحو 31,451 مبنى متأثرًا، والتكلفة التقديرية للأضرار المادية: 6.8 مليار دولار، واحتياجات إعادة الإعمار نحو 11 مليار دولار([5]).

كارثة مؤجلة بانتظار قرار

ما يشهده لبنان اليوم ليس أزمة تقنية فحسب، بل فشلًا إداريًا وتشريعيًا في حماية الحق الأساسي في السكن الآمن. في كل انهيار، يأتي المسؤولون لمعاينة الأضرار، وآخرها زيارة رئيس الحكومة نواف سلام لموقع انهيار مبنى طرابلس، إلا أن هذه الزيارات لا تكفي لحماية السكان أو منع تكرار الكارثة.

مع وجود نحو 18,000 مبنى مهدد بالانهيار في لبنان، يتطلب الحل خطوات عملية عاجلة: مسح شامل للأبنية القديمة والمتصدعة، تطبيق قوانين السلامة الإنشائية، فرض الصيانة الدورية وتأمين بدائل سكنية للسكان في المباني الخطرة.

التحذير لم يعد مجرد إنذار نظري، هو واقع متكرر ومتفاقم، وكل تأخير في المعالجة قد يحوّل هذه “القنابل الصامتة” إلى كارثة وطنية مفتوحة على أسوأ الاحتمالات.

 

 

([1]) الهيئة اللبنانية للعقارات، نقابة المهندسين في بيروت وطرابلس، الوكالة الوطنية للإعلام (NNA).

([2]) الهيئة اللبنانية للعقارات، بلدية طرابلس، نقابة المهندسين.

([3]) بلدية طرابلس، CNRS، نقابة المهندسين.

([4]) البنك الدولي (RDNA 2025)، UN-Habitat، الهيئة اللبنانية للعقارات، نقابة المهندسين.

([5]) البنك الدولي، تقارير الأمم المتحدة، الهيئة اللبنانية للعقارات.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد