اوراق مختارة

مجازر بيئيّة في الكورة ... كيف تحوّلت مقالع الترابة الى كارثة مستدامة؟

post-img

شانتال عاصي (صحيفة الديار)

تُشكل قضية مقالع شركات الترابة في قضاء الكورة، نموذجاً معقداً للعلاقة المتوترة بين التوسع الصناعي، والحفاظ على الهوية البيئية للمناطق الريفية في لبنان. فمنذ عقود، تحولت التلال التي كانت تكسوها أشجار الزيتون والمساحات الحرجية، إلى ساحات عمل مفتوحة لاستخراج الصخور والمواد الأولية اللازمة لتأمين احتياجات السوق العمراني من الإسمنت.

هذا التحول لم يغير فقط من جغرافيا المنطقة ومعالمها الطبيعية، بل أحدث خللاً في التوازن الإيكولوجي، نتيجة إزالة الغطاء النباتي وتجريف التربة السطحية التي كانت تشكل رئة طبيعية لشمال لبنان.

وعلى المستوى الميداني، يبرز الغبار الصناعي المتطاير، كأحد أبرز التحديات اليومية التي تواجه القرى المحيطة، حيث يتداخل هذا النشاط مع حياة السكان بشكل مباشر ومستمر. وبخلاف الضرر المرئي الذي يلحق بالأراضي الزراعية، هناك قلق جدي بشأن تأثير هذه الانبعاثات على مصادر المياه الجوفية وجودة الهواء، وهو ما وضع المجتمعات المحلية في مواجهة صعبة مع الواقع الصحي.

إن استمرار هذا النهج في الاستثمار دون ضوابط بيئية صارمة، يحول النشاط الاقتصادي من رافد للتنمية إلى عبء بيئي واجتماعي طويل الأمد، يفرض ضرورة البحث عن حلول مستدامة تضمن حماية ما تبقى من إرث الكورة الأخضر.

التداعيات البيئية والصحية

لا تتوقف آثار مقالع الترابة عند حدود التشويه البصري للمرتفعات، بل تمتد لتحدث تغييراً بنيوياً في النظام الحيوي للمنطقة. ففيما يخص جودة الهواء، ينتج من عمليات الحفر والنقل المتواصلة انبعاث كثيف للجسيمات الدقيقة التي تظل عالقة في الأجواء بفعل حركة الرياح.

هذه الحبيبات لا تمثل مجرد مصدر للإزعاج، بل هي مسببات مباشرة لضغط صحي مستمر على الجهاز التنفسي للسكان، حيث تشير الملاحظات الميدانية إلى ارتفاع في وتيرة الحساسية المزمنة وحالات الربو، خاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال الذين تتأثر قدراتهم الرئوية في طور النمو، وكبار السن الذين يعانون أصلاً من ضعف في المناعة التنفسية.

أما على صعيد التربة والغطاء النباتي، فإن الاقتلاع الجذري للأشجار والطبقات السطحية يؤدي إلى تجريد الأرض من دفاعاتها الطبيعية. هذا التجريف لا يقتل التنوع البيولوجي فحسب، بل يضعف تماسك التربة، مما يجعل المنطقة عرضة للانجرافات وتآكل الأرض عند هطول الأمطار الغزيرة، وهو ما يهدد بانهيار البنية التحتية المحيطة وفقدان مساحات زراعية كانت تشكل مصدر رزق أساسي للأهالي.

ويمتد الضرر بعمق أكبر ليصل إلى الثروة المائية.

فالعمليات المكثفة داخل المقالع غالباً ما تصل إلى مستويات تتقاطع مع مسارات المياه الجوفية أو تؤدي إلى انسداد قنوات الري الطبيعية بفعل الترسبات الكلسية والطينية. هذا التلوث العضوي والكيميائي لا يهدد فقط سلامة مياه الشرب التي يعتمد عليها الآلاف، بل يتسبب أيضاً في تراجع جودة المحاصيل الزراعية، نتيجة تشبع التربة برواسب غريبة، مما يضع مستقبل الأمن المائي والغذائي في الكورة على المحك أمام استنزاف صناعي لا يراعي الخصائص الجيولوجية للمنطقة.

الاحتكار والتوسع العشوائي

تتجاوز أزمة المقالع في الكورة مجرد كونها نشاطاً صناعياً عادياً لتكشف عن خلل بنيوي في آليات الرقابة والتنظيم. فالتوسع المستمر لهذه الشركات لا يستند في كثير من الأحيان إلى مخططات توجيهية تراعي القدرة الاستيعابية للبيئة المحلية، بل تحركه ضرورة تأمين المواد الأولية بأقل التكاليف الممكنة، مما يؤدي إلى قضم تدريجي للأراضي المحيطة بالمواقع القائمة. هذا النمط من العمل العشوائي يضعف هيبة القوانين البيئية ويجعل من الالتزام بالمعايير الدولية في استثمار المناجم والمقالع أمراً ثانوياً أمام حجم الإنتاج الضخم.

إن ظاهرة الاحتكار والممارسات غير المنظمة أدت إلى تحويل مساحات شاسعة كانت تُعرف بتنوعها الحيوي إلى فجوات جغرافية قاحلة. هذا الاستنزاف المتسارع لا يكتفي بإلغاء النشاط الزراعي، بل يضرب القيمة العقارية والاجتماعية للمنطقة؛ فالأرض التي يتم تجريفها بعمق تفقد قدرتها الفطرية على التجدد، مما يحولها إلى مساحات غير صالحة لأي استثمار مستقبلي سواء كان سكنياً أو زراعياً.

أما التحدي الأكبر فيكمن في "ديمومة الضرر"، إذ إن غياب خطط إعادة التأهيل المتزامنة مع الحفر يجعل من عملية ترميم الطبيعة في الكورة مهمة شبه مستحيلة تقنياً ومكلفة مادياً. ومع استهلاك الشركات للطبقات الصخرية والتربة دون وضع ضمانات مالية أو بيئية لإعادة التشجير أو ردم المواقع المنتهية، يصبح المجتمع المحلي أمام واقع مفروض يتمثل في "صحارى اصطناعية" تتسع رقعتها سنوياً، مما يهدد بتحويل الكورة من منطقة خضراء إلى حزام صناعي متهالك يصعب إصلاح توازنه البيئي في المستقبل القريب.

خارطة طريق للتعافي

إن الانتقال من مرحلة التدهور إلى مرحلة التعافي في الكورة، يتطلب تجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجية وطنية شاملة مدعومة بإرادة سياسية حازمة. تبدأ هذه العملية من خلال تحديث الإطار التنظيمي لعمل شركات الترابة، عبر فرض مخطط توجيهي صارم يحدد جغرافياً المناطق المسموح فيها بالعمل، مع وقف فوري لأي توسع عشوائي خارج هذه النطاقات.

هذا التنظيم يجب أن يترافق مع مراجعة شاملة للرخص الممنوحة، وربط استمرارها بمدى الالتزام بالمعايير البيئية الحديثة التي تشمل خفض مستويات الغبار المنبعث ومعالجة الفضلات الصناعية.

أما على صعيد إعادة التأهيل، فلا بد من إلزام الشركات تقنياً ومادياً بمبدأ "الإصلاح المتزامن"، أي أن تبدأ عمليات إعادة التشجير وردم الحفر في المواقع المنتهية بالتوازي مع استمرار العمل في مواقع جديدة، وذلك لضمان عدم ترك المنطقة أمام صحاري صخرية يصعب ترميمها لاحقاً. ويمكن في هذا السياق تفعيل "الصندوق البيئي" الذي تودع فيه الشركات مبالغ تأمينية لا تُسترد إلا بعد التحقق من نجاح عملية إعادة تأهيل الأراضي المتضررة وتحويلها إلى مساحات خضراء أو مناطق قابلة للاستثمار الزراعي.

وفي موازاة ذلك، يبرز خيار الاستيراد كبديل استراتيجي لتقليل الضغط على التربة اللبنانية. فبدل الاعتماد الكلي على استنزاف الموارد المحلية المحدودة، يمكن تشجيع استيراد المواد الخام من الخارج بأسعار تنافسية عبر تخفيض الرسوم الجمركية على المواد الصديقة للبيئة، مما يسهم في الحفاظ على الثروة الطبيعية للكورة للأجيال القادمة.

أخيراً، يظل تفعيل الرقابة القضائية والبيئية هو حجر الزاوية في أي خطة إصلاحية. إن فرض عقوبات رادعة ومبدأ "الملوث يدفع" بحق الشركات المخالفة، يعيد الاعتبار للقوانين البيئية ويحمي المجتمع المحلي. كما أن إشراك الجامعات والمراكز البحثية في مراقبة جودة الهواء والمياه بشكل دوري ومستقل، يضمن شفافية البيانات ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية تجاه صحة الإنسان وسلامة الطبيعة.

إلى ذلك، إنّ أزمة مقالع الترابة في الكورة تبرز تحديًا بيئيا حقيقيا يهدد الصحة العامة والتنمية المستدامة في المنطقة. فهي ليست مجرد قضية صناعية، بل معركة من أجل الهواء النظيف، التربة الخصبة، والمياه الصالحة للشرب. إن حماية البيئة تتطلب تضافر الجهود بين الحكومة والمجتمع المدني والشركات الخاصة، لتطبيق سياسات صارمة تحقق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على الموارد الطبيعية وصحة السكان. فالاستمرار في تجاهل هذه الأزمة قد يحوّل الكورة من منطقة زراعية وغنية بالطبيعة إلى منطقة مهجورة، جراء الإهمال البيئي والسياسات القصيرة النظر.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد