مولود بن زادي/القدس العربي
تزايدت المخاوف بشأن استخدام الذكاء الصناعي في الكتابة خلال السنوات القليلة الماضية. فقد أظهرت النماذج اللغوية المبكرة، مثل «جي بي تي-2» الذي أُطلق عام 2019، قدرة على توليد النصوص آليًا، لكنها ظلت محدودة الانتشار. لكنّ المشهد تغيّر في أواخر عام 2022 بالإطلاق الرسمي لتطبيق «تشات جي بي تي»، إذ أصبحت أدوات الكتابة المدعومة بالذكاء الصناعي، متاحة فجأة لملايين الطلاب والمهنيين والكُتّاب. فسارعت المؤسسات إلى اتخاذ إجراءات خشية إساءة الاستخدام، والإضرار بالإبداع. فبحلول مطلع عام 2023، عجلت باعتماد أدوات كشف النصوص المُنشأة بالذكاء الصناعي، قبل فحصها وإدراك حدودها، ما أسفر عن آثار جسيمة؛ فها هي اليوم حالات الكشف الخاطئ وعواقبها الوخيمة تتصدّر عناوين الأخبار.
تردد الإيجابيات الكاذبة في أنظمة الكشف الآلي
تعد النتائج الإيجابية الكاذبة مصدر قلق متزايد في عصر أنظمة الكشف المدعومة بالذكاء الصناعي. تعتمد هذه الأنظمة على قواعد بيانات ضخمة تضم المواد المنشورة والنصوص الرقمية لتحديد سلاسل الكلمات المتطابقة، لكنها تفتقر غالبا إلى الفهم الدقيق اللازم للتمييز بين النصوص الأصلية والنصوص المنتحلة. وكان لذلك أثر عميق في حقل الدراسة والأبحاث. فقد أوضح مستخدم على موقع «ريديت»، أن برنامج «تورن إيتِن» صنف خاتمة بحثه على أنها منتحلة، لمجرد احتوائها على اقتباس من الشاعرة الشهيرة مايا أنجيلو. استخدم الطالب علامات الاقتباس وعرض قائمة المراجع، لكنّ النظام اعتبر النص منسوخا، رافعا نسبة التشابه إلى 29 في المئة.
يؤكد ذلك مدى قصور برامج كشف الانتحال، ولا عجب في ذلك بحكم أنّها مصممة أساسا لكشف الأنماط المتشابهة، لا لإدراك السياق وفهم جوهر النص. فهي قادرة على رصد النصوص المتطابقة، لكنها عاجزة عن فهم ما إذا كان ذلك أخلاقيا. وهكذا قد تصنف الكتابات الموثقة توثيقا صحيحا وواضحا على أنها منتحلة، وإن كانت أصيلة.
الإنسان مذنب حتى تثبت براءته
تبرز الآثار أيضا في منشور على موقع «ريديت» لطالب في المرحلة الثانوية – دورة لغة إنكليزية. يقول إنه كتب مقالا معتمدا على مصادر موثوقة كـ»غوغل سكولار» والموقع الرسمي لمكتب التحقيقات الفيدرالي. ورغم اتباعه تعليمات معلمه باستخدام الاقتباسات، وإدراج قائمة المراجع وذكر الاقتباسات وأصحابها، فإن نظام الكشف «تيرن إيت إن» المدعوم بالذكاء الصناعي أساء فهمه واتهمه ظلما بالانتحال. ردَّ طالب آخر على منشوره مؤكدا أنها تجربة شائعة، موضحا أن أدوات مثل «تيرن إيت إن»، غالبا ما تشير إلى المواد الموثقة بشكل صحيح على أنها نصوص منتحلة. وهكذا، فإن الطلاب الذين يتبعون القواعد الأكاديمية بإجراء بحوث والاستشهاد بالمراجع، قد يُنظر إلى أعمالهم نظرة شك. فيدفع الطلاب الأبرياء ثمن هلع مؤسسي من الذكاء الصناعي. نراهم يواجهون الخوف والإحباط والضغط النفسي ويتحملون عبء الدفاع عن أعمال أنجزوها بأنفسهم. تنطبق على هؤلاء مقولة «متهم حتى تثبت براءتك».
عندما يدفع الإعلاميون والكُتّاب الثمن
لا تقتصر النتائج الإيجابية الكاذبة على قطاع التعليم فحسب، بل تشمل أيضا المهنيين والإعلاميين والمؤلفين. فقد سجلت التحقيقات الصحافية حالات اتُهم فيها كتّاب مستقلون ذوو خبرة باستخدام الذكاء الصناعي، استنادا فقط إلى نتائج برامج الكشف. في إحدى هذه الحالات، صنفت مساهمات أحد المؤلفين ـ بعضها كُتب قبل بروز برنامج «تشات جي بي تي»، على أنها مُولّدة بالذكاء الصناعي بنسبة تتراوح بين 65% و95%، واعتُبرت هذه النتائج قاطعة، رغم غياب أدلة ملموسة. فأُلغي العقد فورا، رغم سعي المؤلف للدفاع عن عمله بتقديم سجلات كاملة لمستندات «غوغل»، بما في ذلك المسودات والمراجعات وأدلة توثيق عملية الكتابة. وهكذا يكون الحكم الرقمي لبرنامج الكشف قد طغى على التقييم البشري، وحتى الوثائق المُثبتة للتأليف. من نتائج ذلك الإساءة إلى السمعة، وفقدان العمل والدخل، وحرمان الكتاب من فرص النشر والتكريم، دون أي فرصة للدفاع عن النفس أو الطعن في القرار.
تحيّز ضدّ الكُتّاب الأجانب
من مساوئ أدوات الكشف عن الذكاء الصناعي أنها تمارس تمييزا منهجيا ضد الكتّاب غير الناطقين بالإنكليزية. فقد أوضحت دراسة نُشرت في مجلة «باترنز» التابعة لـ«سيل بريس» (يونيو/حزيران 2023)، أجراها باحثون في جامعة ستانفورد أن هذه الأدوات تُصنّف كتابات غير الناطقين بالإنكليزية خطأ على أنها مُولَّدة بالذكاء الصناعي، بمعدلات أعلى من كتابات الناطقين الأصليين. قَيّمت الدراسة سبعة برامج كشف شائعة باستخدام مقالات لمتحدثين غير أصليين بالإنكليزية، وأخرى لطلاب أمريكيين أصليين. وبينما اجتازت مقالات الأصليين الاختبار في مجملها، وُصِفَ أكثر من نصف مقالات غير الناطقين بالإنكليزية بأنها مُولَّدة بالذكاء الصناعي، بمتوسط إيجابيات كاذبة تجاوز 60%. يعود هذا التحيز إلى آلية عمل أنظمة الكشف نفسها، إذ تعتمد على مقاييس إحصائية مثل، «تعقيد النص»، الذي يقيس مدى قابلية تسلسل الكلمات للتنبؤ. فغالبا ما يستخدم غير الناطقين بالإنكليزية مفردات محدودة وتراكيب أبسط، ما يجعل نصوصهم أكثر قابلية للتنبؤ والتصنيف الخاطئ، في حين تُعد لغة الأصليين – الأكثر تعقيدا – أقرب إلى الكتابة البشرية.
كما أظهر الباحثون أن تحسين مفردات مقالات غير الناطقين بالإنكليزية باستخدام «تشات جي بي تي» يقلل الإيجابيات الكاذبة بشكل كبير، بينما يؤدي تبسيط مقالات الناطقين الأصليين إلى زيادة تصنيفها الخاطئ، في وقت يمكن فيه للنصوص المُولَّدة فعليا بالذكاء الصناعي تفادي الكشف عبر تعديلات طفيفة.
تهرّب شركات الكشف الآلي من المسؤولية
تحقق شركات الذكاء الصناعي أرباحا طائلة بفرض رسوم على المدارس والجامعات ودور النشر ومنظمي الجوائز الأدبية بحجة التحقق من الأصالة والنزاهة، لكنها تتنصّل من المسؤولية عن عواقب نتائجها. فعلى سبيل المثال، تعلن شركة «أوريجيناليتي. آي» على موقعها: «لا تتحمل مؤسسة «أوريجيناليتي.آي»، ولا أي من الشركات التابعة لها أو المرخّصين لها، المسؤولية عن أي أضرار غير مباشرة أو عرضية أو خاصة أو تبعية أو جزائية، بما في ذلك الأضرار الناجمة عن خسارة الأرباح، أو السمعة، أو الاستخدام، أو البيانات أو غيرها من الخسائر، حتى لو تم إبلاغها بإمكانية حدوث مثل هذه الأضرار».
يمنحها هذا التنصّل القانوني درعا واقيا من المساءلة عن الأضرار المأساوية التي تُسببها، رغم اعترافها العلني إمكانية تصنيف أنظمتها المحتوى البشري على أنه مولَّد بالذكاء الصناعي خطأ، كتلك الحالات التي يُستخدم فيها الذكاء الصناعي، لإجراء تعديلات طفيفة، أو لمسات خفيفة على النصوص، وهي شبيهة بمهام المدقق اللغوي البشري. وهكذا، وفي غياب رقابة تنظيمية، تواصل مؤسسات كشف الذكاء الصناعي عملها، وتحقيق مكاسب مادية في فضاء خالٍ من المحاسبة، مُلحِقة مزيدا من الأذى: طلابٌ يرسبون دون مبرر، ومحترفون يفقدون فرص العمل، وكتّابٌ يُحرمون من فرص النشر والتقدير، وشرفاء تُشوَّه سمعتهم، اعتمادا على نتائج خاطئة يرفض حتى صانعوها تحمّل المسؤولية عنها!
دعوة إلى التنظيم والمساءلة
في ضوء الأدلة المتزايدة على عدم موثوقية أدوات الكشف بالذكاء الصناعي، وتحيّزها المنهجي ضد الأصوات الأجنبية، وغير الناطقة بالإنكليزية، وعبثها بالمستقبل الدراسي والمهني للأفراد، وحرمانها الكُتّاب من فرص التقدير والنشر، وإقصاء الأصوات الجديدة؛ لا مبرّر مطلقا للاستمرار في استخدامها دون ضوابط قانونية صارمة. ويُقترح إخضاع شركات الكشف بالذكاء الصناعي لسلطات تنظيمية مستقلة، وإلزامها بتحمّل المسؤولية القانونية الكاملة عن الأضرار التي تُسبّبها أنظمتها، بما في ذلك الأضرار الأكاديمية والمهنية والسمعية والنفسية. وفي حال عجزها عن تقديم أدلة كافية قابلة للتحقق والتدقيق العلمي، لا يحق الاعتراف بنتائجها أدلة معتمدة، أو ملزمة، أو اعتماد الوكلاء عليها. ويُقترح أيضا منح المتضررين حق الاعتراض على النتائج، مطالبة شركات الكشف بأدلة مقنعة تثبت أن التأليف ناتج عن الذكاء الصناعي لا عن العقل البشري، فضلا عن حق المتضرر في اللجوء إلى القضاء والمطالبة بتعويضات عادلة وفعّالة عن الأضرار في حال عدم التوصل إلى تسوية.
وعليه، يجب أن يُطبَّق المبدأ القانوني الأساسي «البراءة حتى تثبت الإدانة» في حقل الكتابة والإبداع. فالتقارير الصادرة عن أدوات الكشف بالذكاء الصناعي مجرد تقديرات احتمالية، وليست أدلة قاطعة. فكل نص لم يُقدّم دليلا واضحا وملموسا على أنه أُنشئ آليًا بالكامل، من دون مساهمة فكرية بشرية جوهرية، يُنسب إلى المؤلف البشري، ويظل حقه في ذلك قائما ومكفولا قانونا.
نحو عصر ما بعد الكشف الآلي
لا شك أنّ عالمنا اليوم يقف غير بعيد عن عهد جديد في عالم الكتابة ـ عهد ما بعد الكشف بواسطة الذكاء الصناعي ـ عصر جديد تتبدد فيه المخاوف من الآلة وتُعاد فيه سلطة الحكم على نزاهة النص وأصالة صاحبه إلى العقل البشري، القادر على تقييم الأعمال بناء على الفهم النقدي والاستيعاب العميق للمعنى والنيّة والشعور والسياق والتجربة الإنسانية التي لا تملكها الآلة. وها هي اليوم مؤسسات تأخذ الريادة في هذا الاتجاه، إدراكا منها لخطورة هذه الأدوات؛ إذ أوقفت عدة جامعات مرموقة استخدامها عقب فضائح اتهامات كاذبة. كما أوقفت شركة «أوبن أيه آي» أداة تصنيف النصوص التابعة لها عام 2023 لضعف دقتها. فعلى الجامعات الأخرى، والمؤسسات الإعلامية، ودور النشر، والهيئات المنظِّمة للجوائز أن تحذو حذوها، فتتوقف رسميا عن اعتماد أدوات كشف بالذكاء الصناعي أثبتت فشلها في التمييز بين ما هو ناتج عن الذكاء الصناعي والعقل البشري في الكتابة.
حين يعجز مطوّرو تقنيات الذكاء الصناعي عن تقديم تقارير صحيحة، ويقرّون علنا بعدم موثوقية نتائجهم، هل ثمة مبرر لمنح هذه الأدوات سلطة الحكم على نزاهة البشر وإبداعهم؟ فإلى أن يخضع هذا المجال لتنظيم صارم، وتُفرض شفافية كاملة على الخوارزميات، وتتحمل شركات الكشف مسؤولياتها، لا مناص من الاعتماد على التقييم البشري القائم على العقل والفهم والدليل. فالحقيقة لا تُبنى على التخمين الإحصائي، بل على الأدلة القاطعة، والمنطق السليم، والعدالة المثلى.