أريج جمال/العربي الجديد
قضى الصحافي الأميركي اليهودي وأستاذ العلوم السياسية في نيويورك بيتر بينارت جزءًا من طفولته في كيب تاون بجنوب أفريقيا خلال حقبة الأبارتهايد، وهو ما جعله أشد حساسية تجاه الوضع الفلسطيني منطلقًا من رؤيته بأن "العنف الذي ترتكبه الدولة اليهودية ضد الفلسطينيين يولد المزيد من العنف ضد اليهود"، مثلما يقدّمها في كتابه "أن تكون يهوديًا بعد تدمير غزة... لحظة حساب" (الكُتب خان، 2025/ ترجمة عبد المجيد المهيلمي).
يُسمي بينارت الأشياء بمُسمياتها، لا بناءً على موقف عاطفي داعم للفلسطينيين أو ديني يرفض القتل والاستباحة بحجّة المظلومية اليهودية، لكن بالاستناد إلى حقائق التاريخ مُجردةً من التلاعب الإسرائيلي المُستمر بسردياته، ويستشهد في كتابه بمواقف لمُفكرين يهود رفضوا مُبكرًا "الغيتو الذاتي" داخل حدود الدولة اليهودية التي تأسست كما يُقرُّ بـ "تهجير نحو 750 ألف فلسطيني في عام 1948، وتشريد آلاف غيرهم في عام 1967، عندما وسعت جهودها لتشمل كامل المنطقة بين النهر والبحر"، ويؤكد أنه لا سبيل أمام إسرائيل لمنع تكرار صدمة يوم السابع من أكتوبر إلّا بالاعتراف بالحق الفلسطيني في الحياة بمساواة.
بين مَنْ يستشهد الكاتِب بمواقفهم أستاذ الفلسفة يشعياهو ليبوفيتش، الذي كان يرى أنّ "الاعتقاد بالاستثنائية اليهودية مثَّل تيارًا مُنحرفًا في الفكر اليهودي متواصلًا منذ العصور الوسطى إلى بدايات العصر الحديث". وكذلك بحنة آرنت التي كتبت عام 1963: "كانت عظمة هذا الشعب يومًا ما تكمن في أنه كان يؤمن بربّنا. أما الآن فهذا الشعب لا يؤمن إلّا بنفسه".
لا يمنح بينارت مُبرّرات لأفعال القتل والتخريب التي تُمارسها إسرائيل ضدّ الفلسطينيين باسم الأحقية التاريخية ولا حتى بادعاءات حماية الذات ضد حركة حماس، بل يعود إلى ما يراه تعاليم الديانة اليهودية الأولى، وروح نصوصها: "إنّ نصوصنا المُقدسة نفسها؛ التوراة، والتلمود، والمدراس، كثيرًا ما تصوّر اليهود سلبيًا ونقديًا وليس دعائيًا. فهي ليست بروباغاندا، وهي تسعى إلى جلي الحقيقة". يتوقف الكاتب أمام محطات بعينها من التاريخ اليهودي كما يرويها النصّ الديني، وتُركز على ضرورة نقد الذات، ذلك أنّ بعض الخيارات الخاطئة لليهود، قد أدت إلى إنزال العقاب الإلهي عليهم.
يُدلل على رأيه بتفاسير قصص بعينها مثل قصة "سفر أستير"، حين اضطهد الوزير هامان اليهود وكاد يقضي عليهم لولا قُرب الفتاة اليهودية أستير من الملك الفارسي، وتوسُّطها لإنهاء الاضطهاد، إذ يشير إلى أنه "عند تفسير معاناة اليهود، فإنّ التقاليد الحاخامية تفرض على اليهود النظر في دواخلهم والاعتراف بخطاياهم. فالتلمود يُلقي اللوم على اليهود في صعود هامان لأننا شاركنا في فجور الملك المخمور".
في ما يتعلق باضطهاد اليهود في مصر، يورِد بيتر تعليقًا قديمًا من نشيد الأناشيد "إنّ بني إسرائيل في مصر لم يكونوا يستحقون الحُرية، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام". ولعلّ الكتاب يبدو صادمًا للإسرائيلي المُتعصب، القارئ الأول الذي يتوجه إليه الخطاب على أي حال، لأنه يُريه إلى أي مدى يجري انتقاء آيات "مُلطخة بالدماء" حسب وصف الكاتب، وتصدير تفاسير مُعينة مع استبعاد أخرى لخدمة فكرة إسرائيل، ولتكريس انعدام مسؤوليتها عن أفعالها اللاأخلاقية إزاء الفلسطينيين. وذلك من دون أن ينفي تمامًا عذابات شعبه طوال التاريخ، إنه يشرح فقط أن التحصُّن من الشرّ باحتكار مُمارسته لا يُمكن أن يمرّ بلا تبعات، وأن اليهود الذين يقترفونه لا يُمكن أن ينعموا بالسلام المنشود من إنشاء دولة خاصة بهم: "نحن لسنا مُبرمجين على تحمل الشر إلى الأبد ولا نرتكبه أبدًا. هذه البراءة الزائفة التي تسود الحياة اليهودية المُعاصرة، تُخفي الهيمنة خلف ستار الدفاع عن النفس".
في فصول لاحقة من الكتاب، يُناقش بينارت موضوعات أخرى حساسة، منها عدم قدرة اليهود أنفسهم في بعض الأحيان على التفريق بين الانتماء الديني اليهودي وبين الدعم المُطلق لوجود دولة إسرائيل، ما يخلق في المقابل، عند غير اليهود حالة من الخلط بين معاداة اليهود من ناحية وبين معاداة الصهيونية من ناحية ثانية، ويؤدي إلى وقوع حوادث عنف مروعة ضدهم في مُختلف بلاد العالم انتقامًا من أفعال إسرائيل.
يرصد بينارت حالة الاستلاب التي تتعرض لها الجامعات الأميركية فِكريًا حين تضطهد الطلبة المُتظاهرين سلميًا ضد السياسات الصهيونية، ما يُهدد في نظره المُجتمع ككل: "إن الدفاع عن إسرائيل بأي ثمن لا يُهدد الثقافة اليهودية الأميركية فحسب، بل يُهدد أيضًا أسس الحريات في أميركا".
الإشكالية الأساسية ربما التي يُثيرها الكتاب هي الحل الذي يقترحه لإنهاء الصراع، بتدشين دولة واحدة يُسميها "فلسطين-إسرائيل"، وهو يعترف بكل التحديات التي ستواجه مُقدمًا هذه الدولة وأهمها "غياب هوية وطنية جامعة". على أي حال يُثير جهد بيتر بينارت الإعجاب، وإصراره على العودة إلى التاريخ لمساءلة أحداثه من منطلق الضمير الإنساني وروح التعاليم الدينية، على النقيض من مواقف بعض المثقفين العرب الذين ينجرفون وراء دعم إسرائيل، انتصارًا لمنطق القوة، ولو على حساب الوقائع التي لا يُجهدون أنفسهم في البحث عنها.