اوراق خاصة

أخلاق الثبات في مواجهة الإمبريالية الأميركية.. دفاع عن الإنسان في زمن الهيمنة

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

نحن أميّو هذا الزمن، لا لأننا خارج المعرفة، بل لأننا نرفض المعرفة التي تُنتَج لتسويغ القوة، وتُسوَّق بوصفها قدرًا أخلاقيًا لا يقبل المراجعة. أميّتنا، بهذا المعنى، موقف واعٍ من نظامٍ عالميٍّ تُديره الإمبريالية الأميركية بوصفها منظومة هيمنة شاملة، لا تكتفي بالسيطرة العسكرية أو الاقتصادية، تعمل أيضًا على إعادة تشكيل الوعي وإعادة تعريف الإنسان وتطويع الأخلاق لخدمة المصالح.

 في مواجهة هذا الواقع، نعود إلى مصافي معارف تاريخنا وحضارتنا، لا حنينًا إلى ماضٍ مغلق، بل بحثًا عن معيارٍ أخلاقي يحمي الإنسان من التحوّل إلى أداة في مشاريع القوة.

الإمبريالية الأميركية، في صيغتها الحالية، ليست حدثًا عابرًا في السياسة الدولية، بل بنية متكاملة للهيمنة، تتقاطع فيها القوة الصلبة مع القوة الناعمة. هي تُخضع الدول بالاقتصاد والعقوبات وشبكات الاعتماد غير المتكافئ، وتُعيد هندسة المجتمعات بالإعلام والخطاب الحقوقي المُسيَّس والمؤسسات العابرة للحدود. كما تفرض نموذجًا ثقافيًا يُقدَّم بوصفه كونيًا، في حين أن جوهره تعبير عن مركزية غربية جديدة. هنا؛ يصبح الصراع، بتعبير أنطونيو غرامشي، صراعًا على الهيمنة الثقافية قبل أن يكون صراعًا على الأرض أو الموارد.

نحفر في زمن الفردانية، زمن تضخّم الـ«أنا» حتى تآكل المعنى الجمعي. هذه الفردانية، والتي تُروَّج بوصفها ذروة التحرّر، تُستخدم في السياق الإمبريالي أداةً لتفكيك المجتمعات وتجفيف مصادر التضامن وإضعاف أي إمكان لمقاومة جماعية منظَّمة. إذ حين يُعاد تعريف الحرية بوصفها انفصالًا كاملًا عن التاريخ والهوية والجماعة، يُجرَّد الإنسان من شروط قوّته، ويُترك وحيدًا في مواجهة السوق ومنطق الربح والقوة. هذا ما يتقاطع مع نقد تشارلز تايلور للفردانية المتطرّفة التي تُنتج ذاتًا معزولة فاقدةً للأفق الأخلاقي المشترك.

نواجه، بكل ما نحمله من تقاليدنا وأعرافنا، محاولات تريد سلب إنسانيتنا تحت شعارات «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان» حين تُستخدم انتقائيًا لتسويغ التدخّل والعقوبات الجماعية والحروب بالوكالة. لا يعني ذلك رفض القيم الكونية في ذاتها، بل رفض احتكار تعريفها وتوظيفها سياسيًا. إذ إن القيمة الأخلاقية، كما شدّد إيمانويل كانط، تقوم على مبدأ الكرامة الإنسانية، حين يُعامل الإنسان بوصفه غايةً في ذاته لا وسيلةً لغيره. وكل سياسة تتعامل مع الشعوب على أنها وسائل لتحقيق توازنات جيوسياسية، أو ساحات اختبار للقوة، تنتهك هذا المبدأ في صميمه.

لا نبدّل ولا نغيّر، لا عن جمودٍ أيديولوجي، بل عن وعيٍ بأنّ الثبات على المبادئ في زمن السيولة فعلٌ أخلاقي مقاوم. وصف زيغمونت باومان عالمنا بـ«الحداثة السائلة»، حين تُفكَّك القيم ويُعاد صياغتها وفقًا لمقتضيات اللحظة. غير أنّ هذه السيولة، حين تخدم منطق الإمبراطورية، تُنتج أخلاقًا مرنة تُشرعن الحرب حينًا، وتُدينها حينًا آخر، بحسب هوية الفاعل والضحية. في هذا السياق، يصبح الثبات على معيارٍ أخلاقي واحد، وهو رفض العدوان والإذلال وازدواجية المعايير، ليكون الرفض شكلًا من أشكال العصيان الأخلاقي المشروع.

نُتَّهَم؛ لأننا لا ننخرط في سردية «العالم الحر» كما تُقدَّم لنا، ونُدان لأننا نقرأ الوقائع خارج قوالب الإعلام المهيمن. غير أنّ هذا الاتهام ليس سوى آلية إسكات، إذ لا تكتفي الإمبريالية بإخضاع الأجساد، تسعى أيضًا إلى تطويع العقول. من يرفض هذا التطويع يُصنَّف ويُقصى أخلاقيًا ورمزيًا. لكن الفلسفة الأخلاقية، من أرسطو إلى كانط، مرورًا بليفيناس، تؤكّد أن الأخلاق تبدأ من القدرة على قول «لا» حين تُنتهك الكرامة، لا من التكيّف مع ميزان القوة.

من أرادنا بصدقٍ رددناه إلينا، ومن أُعمي قلبه لم نخذله، بل أخذناه بيده. هذا الموقف ليس تسويغًا للهيمنة، ولا تواطؤًا معها، هو التزام أخلاقي بالفصل بين الإنسان والسياسة، وبين الشعوب والأنظمة. إذ إن مقاومة الإمبريالية إخلاقيًا لا تقوم على كراهية الآخر، بل على رفض منطق السيطرة. هنا؛ تتجلّى أخلاقيات المسؤولية كما صاغها إيمانويل ليفيناس، حين تبدأ الأخلاق من الاعتراف بوجه الآخر، لا من إلغائه أو شيطنته.

هذه طينتنا التي جُبلنا عليها؛ لا غرور يغرينا بقوةٍ زائلة، ولا ادّعاء يعلو بنا على غيرنا. نعمل من غير حساب، لأن تحويل السياسة إلى صفقة دائمة يُفرغها من بعدها الأخلاقي. ونبذل بغير ماء؛ لأن العطش إلى العدالة أصدق من الارتواء بخطاب إنساني انتقائي. هذا؛ وقد حذّر أدورنو وهوركهايمر من العقل الأداتي الذي يُحوّل القيم إلى أدوات، وتُمثّل الإمبريالية الأميركية، في كثير من سياساتها، ذروة هذا العقل حين تُختزل الأخلاق في لغة المصالح.

السؤال الجوهري، إذًا، ليس كيف نواجه الإمبريالية عسكريًا فحسب، إنما كيف نحافظ على إنسانيتنا ونحن نواجهها. الهزيمة الأخلاقية أخطر من الهزيمة السياسية؛ وحين تُدفَع الشعوب إلى الاختيار بين الخضوع باسم «الاستقرار» أو الفوضى باسم «التحرير» المزعوم، يكون الخيار الأخلاقي هو بناء مقاومة واعية، تعرف ما ترفضه بقدر ما تعرف ما تسعى إليه.

نمضي، لا طلبًا لاعترافٍ من مركز القوة، ولا انتظارًا لجزاءٍ من نظام دولي مختلّ، بل وفاءً لمعنى نؤمن به: إن الإنسان ليس هامشًا في لعبة الأمم، وأن الكرامة ليست امتيازًا تمنحه الإمبراطورية لمن تشاء. عسى أن تشفى مقاصدنا من وهم القوة، وأن تستقيم أفعالنا على ميزان العدالة، وأن يظلّ الإنسان فينا وعيًا وضميرًا أقوى من مشاريع الهيمنة كلها، وأبقى من كل إمبراطورية.

المراجع والمصادر

الجابري، محمد عابد. (1990). نقد العقل العربي: إشكاليات الفكر العربي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

الجابري، محمد عابد. (1995). الديمقراطية وحقوق الإنسان. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

حنفي، حسن. (2000). الدين والثورة في مصر. القاهرة: مكتبة مدبولي.

عزمي، بشارة. (2017). الدولة العربية: بحث في المنشأ والمسار. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

طرابيشي، جورج. (1996). إشكاليات العقل العربي. بيروت: دار الساقي.

أدورنو، ثيودور، وهوركهايمر، ماكس. (2006). جدل التنوير (ترجمة: جورج كتورة). بيروت: دار الطليعة.

(العمل الأصلي نُشر عام 1947)

باومان، زيغمونت. (2013). الحداثة السائلة (ترجمة: حجاج أبو جبر). بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

(العمل الأصلي نُشر عام 2000)

كانط، إيمانويل. (2009). أسس ميتافيزيقا الأخلاق (ترجمة: موسى وهبة). القاهرة: دار التنوير.

(العمل الأصلي نُشر عام 1785)

ليفيناس، إيمانويل. (2011). الأخلاق واللانهاية (ترجمة: فتحي المسكيني). بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة.

(العمل الأصلي نُشر عام 1982)

تايلور، تشارلز. (2011). أخلاقيات الأصالة (ترجمة: فالح عبد الجبار). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

(العمل الأصلي نُشر عام 1992)

غرامشي، أنطونيو. (2005). مختارات من كراسات السجن (ترجمة: فواز طرابلسي). بيروت: دار الفارابي.

(العمل الأصلي نُشر بين 1929–1935)

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد