عماد خشمان (صحيفة البناء)
من الخرق العسكري إلى الاعتداء البيئي المنهجي لم يعد خرق القرار الدولي 1701 يقتصر على الاعتداءات العسكرية المباشرة أو الخروقات الجوية والبرية المتكررة، بل اتخذ في الآونة الأخيرة شكلاً أكثر خطورة وهدوءاً، يتمثل في استخدام المبيدات والمواد الكيميائية فوق الأراضي الزراعية في جنوب لبنان.
فقد أشارت تقارير صادرة عن قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) إلى قيام العدو الإسرائيلي برش مواد كيميائية فوق مناطق زراعية متاخمة للخط الأزرق، معتبرةً هذا السلوك انتهاكاً صارخاً للقرار 1701 وخرقاً واضحاً لقواعد الاشتباك وللسيادة اللبنانية.
ويأتي هذا السلوك في سياق أوسع من الممارسات الإسرائيلية التي تجاوزت منذ سنوات حدود المواجهة العسكرية التقليدية، لتطال البيئة والإنسان معاً، من خلال الاستخدام المتكرّر للقنابل الفوسفورية والعنقودية، وما خلّفته من تلوّث طويل الأمد للتربة والمياه، فضلاً عن زرع الأرض بالألغام وبقاء الذخائر غير المنفجرة كتهديد دائم للحياة المدنية والزراعية، وهو ما يعكس انتقالاً متعمّداً من الخرق العسكري المباشر إلى اعتداء بيئي منهجي، تُستخدم فيه الأرض كوسيلة ضغط واستنزاف صامت، لا تقلّ خطورته عن القصف المباشر، بل تتجاوز آثاره زمن المواجهة إلى ما بعدها بسنوات طويلة.
هذا التطور يفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة تتجاوز البعد العسكري الآني، لتطال الأهداف الإسرائيلية الحقيقية لهذا الفعل، والآثار البيئية والصحية بعيدة المدى، والمسؤوليات القانونية الدولية.
ما أهداف “إسرائيل” من رش المواد الكيميائية؟
لا يمكن فصل هذا الفعل عن السياق الأشمل للمواجهة المفتوحة مع لبنان وجنوبه، حيث تسعى “إسرائيل” إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المتداخلة، أوَّلها إفراغ الأرض من أهلها، والإضرار بالمواسم الزراعية ومصادر الرزق مما يدفع السكان نحو النزوح القسري، وهو هدف لطالما شكّل جزءاً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية في المناطق الحدودية اللبنانية منذ نشأة هذا الكيان في العام 1948م.
ثانيها، تحويل البيئة إلى أداة ردع، عبر جعل الأرض غير صالحة للزراعة أو السكن، حيث تتحوّل البيئة نفسها إلى وسيلة ضغط غير عسكرية ولكن شديدة التأثير.
ثالثها، تغيير الخصائص الجغرافية للمنطقة الحدودية، وإزالة الغطاء النباتي تسهّل المراقبة العسكرية، وتقلّص قدرة أي طرف لبناني على الإستفادة من طبيعة الأرض في أي مواجهة مستقبلية.
رابعها، التحايل على قواعد القانون الدولي، واستخدام أدوات غير تقليدية يهدف إلى إلحاق الضرر دون الظهور بمظهر المعتدي عسكرياً، في محاولة لتفادي المساءلة المباشرة.
ما طبيعة المواد المستخدمة وآثارها المحتملة؟
رغم غياب إعلان إسرائيلي رسمي عن نوعية المواد المستخدمة، إلا أنّ تقارير ميدانية وملاحظات بيئية تشير إلى استخدام مبيدات أعشاب قوية ومواد كيميائية صناعية تُستخدَم عادة لإزالة الغطاء النباتي بسرعة، مما ينتج عنه عدداً من الآثار السيئة على الناس وأماكن عيشها ومنها:
*الآثر البيئي الناتج عن تدمير المحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة، وتلويث التربة وفقدان خصوبتها لسنوات طويلة، والقضاء على التنوع البيولوجي، خصوصاً الحشرات والكائنات الدقيقة الضرورية للتوازن البيئي.
*الآثر الصحي الذي يزيد مخاطر الإصابة بأمراض تنفسية وجلدية، مع إحتمالات تراكم مواد مسرطنة في السلسلة الغذائية، وتهديد مباشر لصحة الأطفال وكبار السن والمزارعين.
*الآثر الجغرافي والبشري بتسريع التصحر في مناطق حدودية حساسة، تقويض الأمن الغذائي المحلي، ودفع السكان إلى الهجرة القسرية غير المعلنة.
موقف الأمم المتحدة والمنظمات الدولية
اعتبرت قوات اليونيفيل أنّ هذا السلوك يشكّل خرقاً للقرار 1701 الذي ينص صراحة على احترام الخط الأزرق، وحماية المدنيين، ومنع أيّ أعمال عدائية من شأنها زعزعة الاستقرار.
كما أبدت منظمات بيئية وحقوقية دولية قلقها من استخدام البيئة كساحة صراع، وغياب المصداقية لدى العدو الإسرائيلي حول نوعية المواد المستخدمة، وخطورة تكرار هذا النموذج في نزاعات أخرى.
ورغم أنّ المواقف الأممية بقيت حتى الآن في الإطار التحذيري، إلا أنّ توثيق هذه الإنتهاكات يكتسب أهمية تراكمية في أيّ مسار قانوني لاحق.
في أي خانة قانونية يقع هذا الفعل؟
يُصنَّف هذا السلوك ضمن الاعتداءات البيئية في زمن النزاعات المسلحة، العقاب الجماعي غير المباشر للسكان المدنيين، استخدام وسائل ضارة محظورة أو مقيّدة دولياً، وهو بذلك يتجاوز كونه خرقاً تقنياً للقرار 1701، ليقترب من جريمة ذات طابع ممنهج.
قراءة في القانون الدولي واتفاقيات جنيف
ينظر القانون الدولي الإنساني إلى حماية البيئة باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من حماية المدنيين، إتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول تحظر استخدام وسائل قتال تُلحق أضراراً واسعة وطويلة الأمد بالبيئة الطبيعية.
ميثاق الأمم المتحدة يجرّم أيّ عمل عدواني يمسّ سيادة الدول ويعرّض السلم والأمن الدوليين للخطر، ومبادئ القانون الدولي البيئي تؤكد مسؤولية الدول عن الأضرار العابرة للحدود، وعليه، فإنّ رش المواد الكيميائية فوق أراضٍ مدنية يدخل في نطاق الأفعال غير المشروعة دولياً.
التبعات القانونية وآفاق المقاضاة
يملك لبنان، نظرياً وقانونياً، عدة مسارات لرفع شكاوى موثقة إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، والاستعانة بمحكمة العدل الدولية في حال توافر قرار أو إحالة مناسبة، والسعي لتفعيل المساءلة عبر الهيئات البيئية والحقوقية الدولية، مستنداً إلى بناء ملف قانوني تراكمي يربط هذا الفعل بسلسلة الانتهاكات الإسرائيلية السابقة ومنها استخدام الفوسفور الأبيض والقنابل العنقودية مترافقاً مع ارتكاب مجازر إبادة جماعية متعددة ترقى إلى مستوى الجرائم ضدّ الإنسانية.
ورغم العوائق السياسية المعروفة، فإنّ التوثيق المنهجي يشكّل حجر الأساس لأي مساءلة مستقبلية.
حين تتحوّل البيئة إلى ساحة حرب
ما يجري في جنوب لبنان ليس حادثاً عابراً ولا خطأً تقنياً، بل يعكس تحولاً خطيراً في أدوات العدوان الإسرائيلي، حيث تُستهدف الأرض والإنسان معاً، خارج ضجيج القذائف ولكن بآثار لا تقل تدميراً.
إنها حرب بطيئة، صامتة، لكنها عميقة الأثر، تستدعي مواجهة قانونية، سياسية، وبيئية شاملة، قبل أن تصبح السموم بديلاً دائماً عن الرصاص.