ملحم خلف (صحيفة النهار)
في وطنٍ اعتاد أن يتنقّل من وجعٍ إلى وجع، ومن كارثةٍ إلى أخرى، من جنوبٍ أنهكته الحروب إلى شمالٍ أثقله الإهمال المزمن، لم يعد كافياً أن نُحصي الخسائر، أو أن نكتفي بجولات تضامنية عابرة، أو بخطابات مؤثّرة تنتهي بانتهاء الكاميرات. ما تحتاجه طرابلس اليوم -وما يحتاجه لبنان بأسره-هو تحوّل جذري في طريقة إدارة الأزمات، عبر خطة وطنية شاملة، جريئة، قابلة للتطبيق، وقابلة للتعميم على سائر المناطق المنكوبة.
طرابلس ليست حالة استثنائية، بل مرآة مكبّرة لأزمة الدولة في إدارة المخاطر والكوارث. من هنا، يجب أن تتحوّل معالجة مآسيها إلى نموذج وطني حديث لإدارة الطوارئ، يجمع بين القرار السياسي السريع، والعمل المؤسسي المنظّم، والطاقة المجتمعية المتطوّعة.
أولاً-خلية أزمة دائمة… لا موسمية ولا ظرفية:
المدخل الطبيعي لأي معالجة جدّية يبدأ بإنشاء خلية أزمة وطنية دائمة، لا ترتبط بحدثٍ محدّد ولا بضغطٍ إعلامي آني، بل تعمل كجهاز استباقي جاهز للتدخّل الفوري. خلية تضم ممثلين عن الوزارات المعنية، البلديات، الهيئة العليا للإغاثة، وحدة إدارة الكوارث، الدفاع المدني، والصليب الأحمر، مع تحديد صلاحيات تنفيذية واضحة وسريعة، بعيدة عن التعقيدات البيروقراطية التي كثيراً ما تتحوّل في لبنان إلى شريكٍ غير مباشر في تعميق المأساة.
ثانياً-إشراك القوى الحيّة في المجتمع… من التضامن إلى الشراكة:
لم يعد مقبولاً التعامل مع المجتمع كمتلقٍ للمساعدة فقط. المطلوب إشراكه كشريكٍ في الحل.
من نقابتي المهندسين والمقاولين، إلى أساتذة وطلاب كليات الهندسة، إلى الجمعيات المدنية والمتطوّعين، يمكن بناء شبكة تدخل تقني ميداني سريع، تقوم بمسوحات فورية للأبنية المهددة، إعداد خرائط مخاطر واقعية، واقتراح حلول علمية قابلة للتنفيذ ضمن مهَل قصيرة.
لبنان يملك ثروة بشرية هائلة. ما ينقصه ليس الكفاءات، بل الإطار التنظيمي الذي يحوّل هذه الكفاءات إلى قوة إنقاذ وطنية منظّمة.
ثالثاً-القوّة التطوعية كرافعة أساسية… لا كجهد هامشي:
التجارب اللبنانية أثبتت أن المجتمع المدني غالباً ما يكون أسرع من الدولة في الاستجابة. لكن المشكلة تكمن في بقاء هذه الجهود مبعثرة. المطلوب اليوم تحويل التطوع من مبادرات فردية إلى منظومة وطنية منظّمة، عبر التدريب، والتأطير، والتجهيز اللوجستي الأساسي.
رابعاً - نموذج "فرح العطاء"… من مبادرة إنسانية إلى فلسفة عمل وطنية:
هنا تبرز أهمية تطوير نموذج مستوحى من تجربة "فرح العطاء"، ولكن بشكل موسّع ومؤسسي.
هذا النموذج يمكن البناء عليه عبر تحويل مفهوم "العطاء عند وقوع الكارثة" إلى منظومة عمل مستمرة تقوم على:
• الاستجابة السريعة المنظّمة لا العفوية فقط
• الدمج بين العمل الإنساني والعمل التقني المتخصص
• خلق قاعدة بيانات للمتطوعين حسب الاختصاص
• التدريب المسبق على إدارة الكوارث
• بناء جسور مباشرة بين الدولة والمجتمع المدني
وإذا تم تطوير هذا النموذج وطنياً، يمكن أن يتحول إلى "بنك وطني للقدرة التطوعية"، جاهز للتدخل في أي منطقة خلال ساعات.
خامساً-الإيواء الكريم… أساس الاستقرار الاجتماعي بعد الكارثة:
إلى جانب المعالجة التقنية، تبرز الحاجة إلى خطة طوارئ سريعة لتأمين الإيواء الآمن والكريم للمتضررين، عبر:
• الاستفادة من المدارس الرسمية والمراكز البلدية
• استخدام الأبنية العامة غير المشغولة
• استئجار وحدات سكنية مؤقتة
• تقديم دعم نفسي واجتماعي للضحايا
لأن الكارثة لا تكون فقط في انهيار الحجر… بل في انهيار الاستقرار الاجتماعي والإنساني للعائلات.
سادساً-كسر معادلة "لا مال لدينا":
أخطر ما يواجه لبنان ليس نقص المال فقط، بل ثقافة العجز. إن إدارة فعّالة للموارد، وتفعيل الطاقة التطوعية المنظّمة، يمكن أن يضاعفا الإمكانات المتاحة. فالكوارث لا تنتظر إقرار الموازنات… بل تحتاج إلى قرار، وإلى شجاعة في التنفيذ.
الخلاصة-من دولة ردّ الفعل إلى دولة الاستباق:
إنقاذ الناس لا يجب أن يبقى رهينة الصدفة أو المبادرات الفردية. لبنان يحتاج إلى انتقال حقيقي من دولة تتفاعل مع الكارثة بعد وقوعها، إلى دولة تستبقها، تستعد لها، وتديرها بعقل وطني جامع.
وإذا نجحنا في تحويل مأساة طرابلس إلى نقطة تحوّل، يمكن للبنان أن يولد من جديد… لا كبلدٍ ينتظر النجدة، بل كبلدٍ يعرف كيف ينقذ نفسه بنفسه.