ماهر سلامة (صحيفة الأخبار)
مرّرت الحكومة، ليلة أول أمس، قرار رفع نسبة ضريبة القيمة المضافة من 11% إلى 12% وزيادة رسم على صفيحة البنزين بقيمة 320 ألف ليرة، لتمويل زيادة رواتب القطاع العام. يُضاف هذا القرار إلى قرارات الحكومة الحالية التي تتخذ الحلول السهلة التي تسلكها.
مرّ القرار بسلاسة الحجج والبراهين التي لم تناقش فعلياً. فهو أبعد ما يكون عن الصواب وكل ما فيه أنه سهل التطبيق ويحقق عوائد فورية. صحيح أن الانهيار المالي طال القطاع العام مباشرة، وأن المسؤولية تقع على الحكومة لتصحيح أجوره وإعادة ترتيبه، إلا أنه لا يجب أن يمرّ على حساب القدرة الشرائية للفقراء. وهو تحديداً ما حصل أول من أمس.
يصيب رسم استهلاك مادة البنزين كل سلسلة الإنتاج والتوريد. فبالإضافة إلى الانعكاس المباشر لارتفاع سعر البنزين على كلفة النقل المشترك والخاص، هناك انعكاس غير مباشر على أسعار السلع كلها. ارتفاع كلفة النقل، يعني زيادة الكلفة على أصحاب العمل لتأمين النقل اليومي لعمالهم، وزيادة كلفة نقل البضائع، وغيرهما. هذه الأكلاف كلها تمرّر إلى المستهلك، فمن الطبيعي أن صاحب العمل لن يتحمّل هذه الأكلاف من هوامش ربحه، وأن يعمد في المقابل إلى رفع أسعار السلع والخدمات. بهذه الطريقة ترتفع الأسعار كلها بسبب قرار واحد.
عادةً يُعطى ارتفاع أسعار المحروقات أهمية خاصة مقارنة بارتفاع أسعار سلع أخرى تستهلكها الأسر، لأن الطلب عليها يتميّز بضعف مرونته تجاه تغيّر الأسعار. بمعنى أوضح، إن ارتفاع كلفة الأسر لا يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في استهلاكها للمحروقات التي تعدّ سلعة أساسية لنقل الأفراد وسائر السلع مهما بلغت كلفتها. وبالتالي فإن ارتفاع أسعار المحروقات ينعكس على مستوى معيشة الأسر عبر تقليص مداخيلها القابلة للانخفاض، لأنها ستعمد إلى خفض إنفاقها على سلع وخدمات أخرى.
وبهذا تكون الحكومة قد ضعّفت القدرة الشرائية للأسر عمداً. جعلتهم أكثر فقراً، رغم أنها تتغنّى بـ«النمو» المحقق في 2025، علماً أن الجزء الأكبر منه اعتمد على الفائض في الاستهلاك. المفارقة هي أنه بإضعاف القدرة الاستهلاكية للأسر، الحكومة تخاطر بخسارة «الإنجاز» الذي كانت تتغنى به.
أيضاً ستنعكس زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 1% على القدرة الشرائية مباشرة. فالهدف منها هو استهداف الاستهلاك أصلاً. وارتفاع الضريبة ينتقل بشكل مباشر إلى الأسعار النهائية للسلع، ما يعني زيادة في معدلات التضخّم التي لم تنخفض بعد. عملياً، تقوم الحكومة بزيادة عبء التضخّم على الأسر بشكل مباشر عبر زيادة ضريبة القيمة المضافة. بينما كان يمكن للحكومة أن تنظر إلى تحسين التحصيل الضريبي لضريبة القيمة المضافة، بدلاً من زيادتها على الفئات الشعبية جميعاً.
التحصيل فيه مشكلة أصلاً، كما يقول صندوق النقد الدولي في تقرير صدر في عام 2023، ويشير إلى أن انخفاض إيرادات ضريبة القيمة المضافة، جزئياً، يعكس تدنّي معدّلها القياسي مقارنةً بالمعدلات المعتمدة في دول أخرى، لافتاً إلى أنه «سواء قبل رفع المعدل في عام 2017 أو بعد الزيادة التي أعقبته وحقّقت تحسّناً مؤقتاً في الجباية، عادت الإيرادات إلى الانخفاض رغم ثبات المعدل القياسي.
وعليه. لا بدّ من النظر إلى عوامل أخرى تتعلّق بفعالية التحصيل، واتساع القاعدة الضريبية، ومستوى الامتثال». تقييم صندوق النقد يظهر انخفاض فعالية التحصيل الضريبي، وهو ما كان يُشكل فرصة للحكومة الحالية للعمل على آليات التحصيل وفعاليتها بهدف تمويل زيادة الأجور، قبل النظر إلى زيادة الضريبة بحد ذاتها. زيادة الضريبة من دون العمل على آليات التحصيل يؤدي إلى المزيد من الضرائب الضائعة على الخزينة. هذه وصفة سيئة.