اوراق خاصة

جيوسياسية التقارب البنيوي بين النازية والإمبريالية الأمريكية

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

تمثل العلاقة الجدلية بين النازية الألمانية أنموذجًا للتوتاليتارية القومية والإمبريالية الأمريكية أنموذجًا للهيمنة الليبرالية العالمية، واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر السياسي المعاصر. بينما تظهر النازية، في الوعي الجمعي، شرًا مطلقًا وبوضوح راديكالي في العداء، تُقدم الإمبريالية الأمريكية نفسها حارسًا للديمقراطية وحقوق الإنسان. مع ذلك، يكشف التحليل الجيوسياسي والسوسيولوجي المعمق خيوطًا رفيعة تربط بين الظاهرتين، حيث يلتقي "الوضوح النازي" مع "الخبث الأمريكي" في نقاط جوهرية تتعلق بالسلطة والسيطرة والنفوذ والنخب الحاكمة. 

السؤال الجوهري: هل تخلت الولايات المتحدة، بناءً على مصالحها التوسعية عن مفهوم الديمقراطية؟

من العقلانية الأداتية إلى أصول التوتاليتارية

لفهم هذا التقارب، يجب العودة إلى نظرية الصراع (Conflict Theory) التي طورها ماكس فيبر وكارل ماركس، واللذين يعرفان السلطة بأنها القدرة على فرض الإرادة رغم المقاومة. في هذا السياق، تبرز أطروحة زيغمونت باومان، في كتابه "الحداثة والهولوكوست"، حين يرى أن النازية لم تكن انحرافًا عن الحداثة الغربية، لقد كانت أحد منتجاتها العقلانية والبيروقراطية. إن العقلانية الأداتية التي تسعى لتحقيق الكفاءة القصوى، من دون اهتمام بالقيم الأخلاقية هي المحرك المشترك؛ فما فعلته النازية في "هندسة المجتمع" داخليًا، تفعله الإمبريالية الأمريكية في "هندسة العالم" جيوسياسيًا.

تقدم الفيلسوفة اليهودية حنة أرندت، في "أصول التوتاليتارية"، ربطًا جوهريًا بين الإمبريالية والعنصرية والنازية، لتقول إن التوسع الإمبريالي في القرن التاسع عشر كان المختبر الأول الذي ولدت فيه الأفكار النازية. أما سوسيولوجيًا، فإن مفهوم "النخبة الحاكمة" لتشارلز رايت ميلز يوضح كيف يندمج العسكر والاقتصاد والسياسة في كتلة واحدة تسعى للنفوذ الدائم. هذه النخبة في النموذج الأمريكي لا تختلف في جوهرها عن النخبة الحزبية النازية؛ من حيث احتكار القرار الاستراتيجي، وإن اختلفت في آليات التسويق الجماهيري.

أماكن التقارب بين النازية والأمريكية: المجال الحيوي والاستثناء

1.    يتجلى التقارب الأول في مفهوم "المجال الحيوي" (Lebensraum): بينما سعت النازية لتوسيع مجالها في شرق أوروبا لتأمين الموارد والأرض، تبنت الولايات المتحدة مفهومًا عالميًا للمجال الحيوي تحت مسمى "الأمن القومي العالمي". في العقيدة الجيوسياسية الأمريكية، تعد أي بقعة في الأرض تحتوي على موارد استراتيجية أو ممرات مائية منطقة نفوذ حيوية يُسوغ التدخل العسكري فيها لحماية "المصالح الحيوية"، وهو المصطلح المهذب للمجال الحيوي النازي.

2.    تبرز العنصرية والسيادة قاسمًا مشترككا؛ فالتفوق العرقي الآري يجد صداه في "الاستثناء الأمريكي" (American Exceptionalism). هذه الأيديولوجيا تمنح الولايات المتحدة "حقًا أخلاقيًا وقانونيًا" في التدخل في شؤون الآخرين وخرق القوانين الدولية التي تفرضها على غيرها. إنها حال "الاستثناء" التي تحدث عنها جورجيو أغامبين، حين تُعلق القوانين لمصلحة السلطة السيادية، وهو ما مارسته النازية في معسكرات الاعتقال، وتمارسه الإمبريالية الأمريكية في سجون غوانتانامو والحروب الاستباقية.

3.    العسكرة المفرطة واقتصاد الحرب؛ حين اعتمدت النازية على تحويل الدولة إلى آلة حربية لضمان النمو، وهو ما يتماثل مع "المجمع الصناعي العسكري" الأمريكي. هذا المجمع يحتاج إلى صراعات دائمة لضمان تدفق الأرباح واستمرارية الابتكار العسكري، ما يجعل "العسكرة" ليست مجرد خيار دفاعي، بل ضرورة اقتصادية وبنيوية للنظام الإمبريالي.

الأهداف المعلنة والأهداف الخفية (الوضوح مقابل الخبث)

تكمن الفجوة الكبرى في "الأسلوب" السياسي؛ فالنازية كانت تتسم بـ"الوضوح النازي"، حين أعلنت أهدافها في السيطرة العرقية والإبادة من دون مواربة، ما جعل العالم يتحد ضدها. في المقابل، تتسم الإمبريالية الأمريكية بـ الخبث الدفين، حين تستخدم "الديمقراطية المزيفة" و"حقوق الإنسان" أدوات بروباغندا لتمرير أجندات توسعية.

الأهداف المعلنة غالبًا ما تكون: نشر القيم الليبرالية، حماية الأقليات، ومكافحة الإرهاب. أما الأهداف الخفية، فهي السيطرة على منابع الطاقة وفتح الأسواق العالمية قسرًا أمام الشركات العابرة للقارات عبر اتفاقيات تجارية مجحفة، وتطويق الخصوم الجيوسياسيين مثل روسيا والصين. إن السلطة هنا لا تُمارس فقط عبر القوة العسكرية الفجة، أيضا بالنفوذ البنيوي والمؤسسات الدولية (مثل الناتو والبنك الدولي) التي صُممت لضمان تبعية الأطراف للمركز الأمريكي. هذا الخبث يجعل من الصعب مقاومة الإمبريالية؛ لأنها تتحدث لغة "التحرر" بينما تمارس "الاستعباد الاقتصادي".

الإمبريالية الرقمية والنيوليبرالية

في العصر الحديث، انتقلت السياسة التوسعية الأمريكية من الاستعمار المباشر إلى "الإمبريالية الليبرالية الجديدة". هذا النوع من السيطرة يعتمد على إغراق الدول بالديون ثم فرض "إصلاحات هيكلية" تفرغ الدولة من سيادتها الاقتصادية والاجتماعية. هي عملية "إبادة ثقافية واقتصادية" ناعمة، تشبه في نتائجها التدميرية ما كانت تفعله الجيوش النازية، ولكن من دون إطلاق رصاصة واحدة في كثير من الأحيان.
علاوة على ذلك، "عسكرة" الفضاء الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي في المراقبة الكونية يمثل النسخة الحديثة من "الغستابو". السيطرة على البيانات والمعلومات تمنح النخبة الأمريكية قدرة على توجيه الشعوب وإسقاط الحكومات عبر "الثورات الملونة" أو العقوبات الرقمية. الصراع اليوم هو صراع على النفوذ البنيوي الذي يجعل العالم يدور في فلك المركز الأمريكي قسرًا. هنا نجد أن الديمقراطية لم تعد غاية، أضحت أداة يُتخلص منها فور تعارضها والمصالح التوسعية، كما حدث في دعم الأنظمة الديكتاتورية التي تضمن تدفق النفط أو حماية المصالح الجيوسياسية.

السلطة والسيطرة: النخب والتحالفات العابرة للحدود

إن تحليل السلطة، في كلا النظامين، يكشف دورًا محوريًا للنخب. في النازية، كانت النخبة عسكرية-حزبية بامتياز. أما في الإمبريالية الأمريكية، هي تحالف معقد بين كبار المساهمين في الشركات العابرة للحدود وجنرالات البنتاغون، والبيروقراطيين في واشنطن. هذه النخبة تمارس "السيطرة" عبر صناعة الرضا (Manufacturing Consent) كما وصفها نعوم تشومسكي، حين يتلاعب بالرأي العام ليدعم حروبًا توسعية تحت مسميات أخلاقية.

هذا النفوذ يمتد ليشمل المنظمات الدولية التي تحولت إلى أدوات لشرعنة العدوان الأمريكي، تمامًا كما حاولت النازية خلق "نظام أوروبي جديد" يخدم مصالحها. الفرق الجوهري هو أن النظام الأمريكي نجح في عولمة أدواته، ما جعل السيطرة تبدو وكأنها "قانون دولي"، في حين ظلت السيطرة النازية محصورة في إطار قومي ضيق أدى إلى انفجارها السريع.

ختامًا

يمكن القول إن التقارب بين النازية والإمبريالية الأمريكية ليس تقاربًا في الشعارات أو الأيديولوجيات المعلنة، وحسب، هو تقارب في الجوهر البنيوي للسلطة والسيطرة الجيوسياسية. كلاهما ينطلق من رؤية مركزية ترى في العالم "مساحة فارغة" يجب ملؤها بالنفوذ، وفي الشعوب الأخرى "أدوات" لخدمة المركز. النازية كانت صرخة الحداثة المتوحشة في وجه العالم بأسلوب بدائي وفج، أما الإمبريالية الأمريكية هي النسخة "المهذبة" والمستدامة من تلك التوتاليتارية، حيث تستبدل المعسكرات المفتوحة بتبعية اقتصادية وثقافية شاملة وتستبدل الإبادة الجسدية بالإبادة السيادية.

السؤال النهائي: هل تخلت الولايات المتحدة الأمريكية وبناءً على مصالحها التوسعية عن مفهوم الديمقراطية؟

النتيجة التي يفرضها التحليل هي أن الولايات المتحدة لم تتخلَّ عن الديمقراطية شعارًا أو "أداة تسويقية"، إنما أفرغتها تمامًا من "مضمونها" القيمي والسيادي. لقد تحولت الديمقراطية من حق للشعوب في تقرير مصيرها إلى "سلعة جيوسياسية" تُمنح لمن يمتثل للإرادة الأمريكية وتُسحب ممن يتمرد عليها. إن المصالح التوسعية قد ابتلعت المفهوم الأخلاقي للديمقراطية، ليحل محله "الخبث الإمبريالي" الذي يدير العالم بمنطق القوة العارية تحت ستار كثيف من الدخان القانوني والأخلاقي الزائف.

المصادر والمراجع

المراجع العربية:

- العكش، م. (2002). أميركا والإبادات الجماعية: حق التضحية بالآخر*. بيروت: رياض الريس للنشر.
- المسيري، ع. و. (2009). الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ: رؤية حضارية جديدة*. القاهرة: دار الشروق.
- المسيري، ع. و. (2002). نقد العقل العلماني*. دمشق: دار الفكر.
- تشومسكي، ن. (2004). الهيمنة أم البقاء: السعي الأمريكي للهيمنة العالمية*. (ترجمة سامي الكعكي). بيروت: دار الكتاب العربي.

المراجع الأجنبية:

- Arendt, H. (1951)The Origins of Totalitarianism*. New York: Schocken Books.
- Bauman, Z. (1989). Modernity and the Holocaust*. Ithaca, NY: Cornell University Press.
- Mills, C. W. (1956). The Power Elite*. New York: Oxford University Press.
- Césaire, A. (1950). Discourse on Colonialism*. New York: Monthly Review Press.
- Steinmetz, G. (2005). Return to empire: The new US imperialism in comparative historical perspective. *Sociological Theory, 23(4), 339-367.
- Agamben, G. (2005). State of Exception*. Chicago: University of Chicago Press.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد