خضر حسان (صحيفة المدن)
أحدث إقرار مجلس الوزراء زيادة رواتب موظفي ومتقاعدي القطاع العام، زلزالاً من حيث مورد تمويل الزيادة. إذ ارتأى المجلس فرض ضرائب على جميع الناس لتمويل زيادة رواتب فئة محدّدة. على أنّ تلك الضرائب تمتصّ الزيادة عبر رفع نسبة التضخّم وزيادة الأسعار. والأهمّ، أنّها تضع الناس في مواجهة الموظّفين والمتقاعدين بوصفهم السبب في فرض الضرائب، وهو ما يرفضه الموظفون والمتقاعدون الذين اعتبروا أنّه كان على مجلس الوزراء الذهاب نحو مصادر أخرى لتمويل الزيادة. ورفضاً للنتيجة التي وصلت إليها عملية الزيادة، أعلنت رابطة موظفي الإدارات العامة بالإضافة إلى لجنة المتعاقدين في الإدارات العامة، التوقّف عن العمل يوميّ الخميس والجمعة.
خطوة تصعيدية مرفوضة
لم يكن خافياً أنّ السلطة السياسية رفضت مراراً مطلب زيادة الرواتب للموظفين والمتقاعدين، تحت شعار عدم وجود إيرادات مالية تغطّي الزيادة. كما ذكّرت بالنتائج السلبية التي حملتها الزيادة حين أقرّت سلسلة الرتب والرواتب في العام 2017. إلاّ أنّ انهيار القدرة الشرائية للرواتب والأجور في ظل ارتفاع الأسعار وزيادة التضخّم، دفع الموظفين والمتقاعدين إلى تكثيف تحرّكاتهم المطلبية للضغط على الحكومة ومجلس النواب لإقرار الزيادة، وبلغت ذروة الضغط في الشارع بالتزامن مع جلسة إقرار موازنة العام 2026، حين انتزع الموظفون والمتقاعدون وعوداً بإقرار الزيادة بحلول منتصف الشهر الجاري.
إلاّ أنّ تنفيذ الحكومة للوعود، أتى عبر "خطوة تصعيدية مرفوضة" تمثّلت بسلسلة ضرائب تطال الناس بشكل مباشر، ما دفع الموظفين إلى إعلان الإضراب ليومين "تضامناً مع المواطنين ورفضاً لكل السياسات الضريبية المجحفة وتحميلاً للمسؤوليات لمن يجب أن يتحمّلها"، وفق ما جاء في بيان لرابطة موظفي الإدارات العامة، والتي رأت فيه أنّ الحكومة "بدلاً من ضبط الجمارك وتنظيم الإيرادات وإقفال مزاريب الهدر، تلجأ إلى جيوب الناس لفرض زيادات على البنزين وعلى السلع الأساسية وعلى الرسوم الجمركية للكونتينرات الصغيرة والكبيرة ونسبة 1 بالمئة على الـTVA".
استسهلت الحكومة فرض الضرائب، ليس لتمويل الزيادة وحسب، بل أيضاً لـ"تغطية الهدر والفساد والاستنسابية في الإنفاق". وبنظر الرابطة، اتى فرض الضرائب الجديدة "في ظل غياب مالية منضبطة وشفّافة، وفي ظل شلل يضرب الإدارة العامة والخدمات. فضلاً عن غياب قطع الحساب لسنوات طويلة ورفض إجراء تدقيق مالي شفّاف. وهو ما يؤكّد وجود خلل خطير في إدارة المال العام ويعزّز الشكوك حول وجود حلقة مفرغة ومخيفة هدفها تضليل الرأي العام وتغطية الهدر والفساد واستمرار الاستنسابية في الإنفاق".
وعليه، رفض الموظّفون "محاولة تحميل القطاع العام وحده مسؤولية الانهيار، وضرب اللبنانيين ببعضهم البعض لتغطية السياسات الفاشلة". وعوض ذلك، حمّل الموظّفون "وزارة المالية ووزيرها المسؤولية المباشرة عن عدم انتظام المالية العامة وعن غياب الشفافية في ما يدخل إلى الخزينة وما يخرج منها".
في الوقت عينه، لا يعني التوقّف عن العمل ليومين، نهاية المسار الاحتجاجي. إذ أشارت مصادر في الرابطة، إلى أنّ "الإضراب بدأ اليوم الخميس ولن يتوقّف عند يوم الغد. إذ سيكون هناك سلسلة إضرابات أخرى للضغط على السلطة السياسية ودفعها للتراجع عن قراراتها والذهاب نحو مصادر تمويل أخرى، أي إلى حيث مزاريب الهدر والفساد، وليس إلى جيوب الناس". وأكّدت المصادر في حديث لـ"المدن"، أنّ "الحكومة صعّدت في وجهنا وحاولت رمي الكرة إلى ملعبنا من خلال تحميلنا مسؤولية انعكاسات الزيادة على كل المواطنين. وفي المقابل، سنصعّد تحرّكاتنا لنؤكّد للناس أنّ الحكومة تعمّدت تشويه الحقائق عبر فرض الضرائب. ولذلك، فإنّ الإضرابات ستستمر وفق ما تقرّره الرابطة تباعاً".
إعادة هيكلة القطاع العام
تمويل الزيادة عبر الضرائب كان متوقّعاً. لأنّ السلطة السياسية لن تتّجه نحو محمياتها في الأملاك العامة والمقالع والكسّارات ووقف الفساد والهدر وضبط المرافىء وما إلى ذلك من منابع التمويل الفعلي. وانطلاقاً من الواقع السياسي والمالي في لبنان "لم يكن هناك خيار آخر لتمويل الزيادة إلاّ عبر الضرائب"، وفق ما أكّده مدير المعهد اللبناني لدراسات السوق، الخبير الاقتصادي باتريك مارديني، الذي رأى في حديث لـ"المدن"، أنّ الزيادة أتت "تحت ضغط مطالبة الموظفين والمتقاعدين بالتوازي مع المزايدات السياسية التي شهدتها جلسة مجلس النواب لإقرار موازنة 2026". ولذلك كان على الحكومة إقرار الزيادة تجاوباً مع الضغط، لكن لم يكن أمامها سوى الضرائب.
وذكّر مارديني أنّ الحكومة كانت قبل العام 2019 كانت تموّل أي زيادة للرواتب عبر مصدرين هما "أموال المودعين والأسواق العالمية". ومع الأزمة "لم يعد باستطاعة الحكومة تمويل الزيادة من أموال المودعين عن طريق سندات الخزينة التي يغطيها مصرف لبنان من أموال المودعين". كما أنّ الأسواق الدولية باتت مقفلة "مع تخلّف لبنان عن سداد مستحقات سندات اليوروبوند".
وخلال الأزمة، برز مصدر ثالث للتمويل، وهو "طباعة الليرة". إلاّ أنّ ذلك "أدّى إلى ارتفاع معدّلات التضخّم وانهيار إضافي لسعر صرف الليرة"، أي إلى تراجع إضافي للقدرة الشرائية للرواتب.
وانطلاقاً من ذلك، ورغم أحقية مطلب تعديل الرواتب والأجور لتتناسب مع مستوى الغلاء، إلاّ أنّه "علينا موجهة الواقع بحقيقته". وهذه الحقيقة لديها جوانب مختلفة، منها ضرورة "إعادة هيكلة القطاع العام". وبحسب مارديني، إنّ "هذه الزيادة تطال جميع الموظفين، لكن من بينهم مَن يستحقّ الزيادة وهناك مَن لا يستحقّها. إذ أنّ عدداً كبيراً منهم دخل إلى القطاع العام على أساس محسوبيات طائفية وسياسية وتنفيعات انتخابية، وهؤلاء لا يحتاجهم القطاع العام".
ومع إعطاء الزيادة لغير المنتجين فإنّ ذلك "سيشجّع هؤلاء على الاستمرار بعدم الإنتاجية طالما أنّهم يحصلون على الزيادة من دون عمل. وفي المقابل، سيحبط ذلك المنتجين ويدفعهم إلى عدم الإنتاجية طالما أنّ بإمكانهم الحصول على الزيادة من دون عمل". ولذلك، كان على السلطة السياسية "تسريح الكثير من الموظفين قبل إعطاء الزيادة. فهناك أكثر من 60 بالمئة من الموظفين يحتاجون للتسريح، فيما 40 بالمئة منهم منتجين فعليين ويستحقّون الزيادة". وفي الوقت عينه "هناك زيادات لحقت موظفين في إدارات لم يعد لها وجود فعلي. فيما المكننة غطّت على عدد كبير من الموظفين الذين أصبحوا بلا عمل، الأمر الذي يفرض إعادة هيكلة القطاع العام".
حلقة مفرغة جديدة دخلها اللبنانيون. فمن جهة، الكثير من موظفي القطاع العام ومتقاعدين يستحقّون الزيادة لتحسين قيمة رواتبهم، ومن جهة أخرى هناك تضخّم في حجم القطاع العام، مسؤولة عنه السلطة السياسية التي عملت لعقود على تضخيمه بتوظيفات سياسية جرى تمويلها من جيوب الناس. واليوم تعمل على تمويل الزيادة من جيوب الناس. إلاّ أنّ الضرائب هذه المرّة تنعكس على القطاعات الاقتصادية المنتجة أيضاً، لأنّ الضريبة على البنزين تزيد كلفة الإنتاج وتضعف من القدرة التنافسية للمنتجات اللبنانية. وبالتالي، فإنّ تداعيات قرار الحكومة لن يقف عند حدّ التظاهرات أو الإضرابات المتفرّقة لموظفي القطاع العام، بل سيخلق حالة تضخّم ستحتاج إلى زيادة إضافية للرواتب، فضلاً عن استنزاف جديد للاقتصاد.