اوراق خاصة

تقارب الضرورة لا الود.. مصر والجزائر في مواجهة إعادة تشكيل الإقليم

post-img

معتز منصور/ باحث سياسي

ما يجري بين القاهرة والجزائر، في هذه الايام، لا يمكن قراءته على أنه تطور علاقات ثنائية أو تبادل مجاملات دبلوماسية متاخرة. هذه قراءة كسولة ومضللة. نحن أمام محاولة اعادة تموضع عميقة لدولتين شعرتا، كل بطريقتها، أنهما خرجتا تدريجيًا من مركز التأثير، وأن الاستمرار في سياسة الانتظار سيحولهما من دول مرجعية إلى مساحات مستهلكة داخل نظام اقليمي يعاد تشكيله بلا استئذان.

المدخل الصحيح للفهم يبدأ من سؤال القوة لا من سؤال النوايا. مصر والجزائر هما الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان ما تزالان تجمعان بين كثافة سكانية حقيقية، ومؤسسة عسكرية وطنية غير مدمجة بالكامل في منظومات خارجية، وذاكرة دولة ترى نفسها صاحبة دور لا مجرد وظيفة. هذا المزيج بالذات هو ما جعل الدولتين، خلال العقد الماضي، في حال من الاستنزاف الصامت، لا الحرب المباشرة ولا الشراكة المريحة.

في مرحلة ما بعد 2011 ؛اختارت الجزائر الانكفاء المحسوب، وتجنبت الاشتباك المباشر مع محاور إقليمية صاعدة، اعتقادًا منها أن الحياد يحميها. واختارت مصر العكس، الانخراط المباشر، ثم دفعت كلفة ذلك اقتصاديًا وسياسيًا. النتيجة النهائية كانت واحدة، وهي تآكل القدرة على المبادرة واتساع هامش الفعل عند أطراف أخرى أقل وزنًا، ولكن أكثر تحررًا من قيود الدولة.

التقارب الحالي هو اعتراف متبادل بفشل هذين الخيارين منفردين. لا الانكفاء حمى الجزائر من تداعيات الساحل وليبيا والمتوسط، ولا الانخراط الفردي منح مصر هامشًا مستقرًا من الحركة. من هنا يصبح التقارب ليس خيارًا سياسيًا بل ضرورة بنيوية.

في ليبيا، للمرة الأولى منذ سنوات، يتقاطع تعريف الخطر عند الطرفين. الجزائر ترى أن تفكيك ليبيا يعني فتح بوابة فوضى دائمة على حدودها الشرقية والجنوبية. ومصر ترى أن استمرار الكيانات المسلحة العابرة للولاءات يعني استنزافًا أمنيًا لا نهاية له. هذا التقاطع لم يعد نظريًا، بل تحول إلى إدراكا عمليًا بأن إدارة الملف من خارج التنسيق الثنائي تعني تسليم القرار لفاعلين لا يعنيهما ثمن الفوضى.

في فلسطين، الأمر أكثر حساسية. مصر تدير ملفًا بالغ التعقيد، جغرافيًا وسياسيًا وأمنيًا، لكنها اكتشفت أن الوساطة بلا ظهير عربي تتحول من إداة نفوذ إلى عبء. الجزائر، بثقلها الرمزي والسياسي، تدرك أن الاكتفاء بخطاب الدعم لا يغير موازين القوة. التقارب هنا ليس اصطفافًا أيديولوجيًا، بل محاولة لبناء حد أدنى من الرافعة العربية خارج منطق المحاور المغلقة.

اقتصاديًا، لا ينبغي السقوط في فخ الأرقام وحدها. القضية ليست حجم التبادل ولا عدد الاتفاقيات، بل طبيعة الشراكة. مصر تبحث عن متنفس يقلل ارتهانها لمصادر تمويل مشروطة، والجزائر تبحث عن شراكات انتاج لا مجرد أسواق لتصريف الخام. كلاهما يحاول الهروب من ابتزاز ناعم يمارس باسم الاستقرار والدعم.

الأهم من ذلك كله هو البعد غير المعلن. التقارب المصري- الجزائري هو رد فعل صامت على إعادة تشكيل المنطقة عبر تحالفات جزئية، بعضها اقتصادي وبعضها أمني، تتجاوز الدول الكبيرة فيها لمصلحة ترتيبات أكثر مرونة، ولكن أقل سيادة. القاهرة والجزائر لا تعلنان رفضًا مباشرًا، لكنهما ترفضان أن تتحولا إلى فراغ جيوسياسي يملؤه الآخرون.

اللافت أن هذا التقارب يتم بلا ضجيج. لا خطاب وحدوي، لا شعارات كبرى، ولا استدعاء للرموز التاريخية. هذا الصمت مقصود. كلا النظامين يعرفان أن الاعلان المفرط يستدعي الاستهداف، والبناء البطيء هو الخيار الوحيد الممكن في بيئة عربية هشة.

لكن هنا يجب كسر الرومانسية. ما يجري حتى اللحظة هو تقاطع مصالح لا تحالف مصير. غياب رؤية عربية أشمل وهشاشة المؤسسات الإقليمية وتناقض حسابات كل طرف مع أطراف أخرى، كلها عوامل تجعل هذا التقارب قابلا للتاكل إن لم يتحول من إدارة أزمات إلى إنتاج تصور.

الفرصة الحقيقية ليست في تنسيق الملفات، بل في إعادة تعريف الدور. إن بقيتا أسيرتين لمنطق رد الفعل، فسيتحول التقارب إلى محطة عابرة. اما إذا امتلكتا الجرأة للذهاب خطوة أبعد، حتى ضمن حدود واقعية، فقد نكون أمام نواة استعادة بطيئة لمعنى الدولة العربية الثقيلة.

ختامًا؛

إان التقارب المصري الجزائري ليس عودة للماضي، ولا وعدا بمستقبل مشرق، هو محاولة عقلانية لتقليل الخسائر في عالم يعاقب المترددين. السؤال ليس لماذا التقارب، بل هل يملكان الشجاعة لتحويله من ضرورة دفاعية إلى مشروع واع؟!

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد