رماح إسماعيل/جريدة الأخبار
على عكس السردية الرائجة عن إيران «المعتدية» التي لا تأبه لحسن الجوار ولا للقوانين الدولية، عرّت الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها المشهد أمام العرب، شعوبًا لا أنظمة، كاشفةً الوجه الحقيقي للقواعد الأميركية في أراضي الخليج، التي يهلل لها الحكّام ويأنسون بها فوق أراضيهم، لا بل ويمنحونها مساحات شاسعة تبتلع مساحة الثلث تقريبًا في الدول ذات المساحات الصغيرة.
في جولة على مواقع التواصل الاجتماعي منذ بداية العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران، وطبيعة الرد الإيراني الذي جاء على شكل استهداف للمصالح الأميركية في النقاط التي تصلها الصواريخ الإيرانية في الخليج والأردن وأربيل، وصولًا إلى الأراضي المحتلة، طفا على الواجهة خطاب شعبوي لافت، بل إن صح التعبير مفاجئ في جرأته، مواطنون خليجيون وأردنيون وفلسطينيون من الضفة وغزة ناصروا إيران في حقها المشروع بالرد، في وجه أنظمتهم «المتخاذلة»، بحسب تعبير الغالبية.
في البحرين، كانت المقاطع المصورة من الأرض خلال الضربات الإيرانية على قاعدة الأسطول الخامس الأميركية أبلغ تعبير عن رد الفعل العفوي، علت في المقاطع التهليلات، ورغم قرب المسافة بين الكاميرا والاستهداف لم يأبه الشبان البحرينيون للخطر، لأنهم على ثقة أن إيران لا تريد البحرين أرضًا وشعبًا، بل تريد المساحة التي يشغلها الأميركي بعسكره وعتاده.
مواطنون خليجيون وأردنيون وفلسطينيون من الضفة وغزة ناصروا إيران في حقها المشروع بالرد، في وجه أنظمتهم «المتخاذلة»
يقول أحمد من سكان منطقة الجفير التي تتواجد فيها القاعدة الأميركية إنّ «وجود الأميركان بين السكان مزعج ومقيّد للحركة، إضافة إلى كونه عامل خطر لأن قواعد أميركا ستدفع ثمن مغامراتها مع أي دولة كانت في العالم ليست فقط إيران، وهذا ما جرى في هذه الحرب».
من جانب آخر، أشار أحمد إلى حملة اعتقالات قامت بها قوات الأمن البحرينية في المنطقة، استهدفت كل من التقط الصور ومقاطع الفيديو للاستهدافات متضامنًا مع إيران، متسائلًا: «كيف يتقدم إرضاء المصالح الأميركية على المواطنين، وكيف يفضل حكام البحرين اعتقال مواطنيهم لتسجيلهم موقفًا مناهضًا للتواجد الأميركي؟».
السيناريو مشابه في الإمارات، التي منعت التصوير وتناقل الأخبار التي وصفتها بـ«المضللة»، حول طبيعة الاستهدافات وأضرارها وإحداثياتها الدقيقة، تحت طائلة المسؤولية.
في الأردن، ترافقت تداعيات الحرب مع حالة من الغضب الشعبي، فعمان تستبسل في إسقاط الصواريخ الإيرانية قبل وصولها إلى الأراضي المحتلة، ما يؤدي إلى تساقطها فوق الأراضي الأردنية، والمعلوم هو أنّ إسقاط الصاروخ ينتج منه تشظٍ وأضرار ناهيك بالانفجارات التي ترافق العملية، كل هذا دعا ناشطين أردنيين إلى التساؤل: «لماذا تسقط الأردن الصواريخ فوق أراضيها دون الأخذ بالحسبان سلامة مواطنيها، بدلًا من أن تتركها تصل الأراضي المحتلة ولتسقطها إسرائيل على سبيل المثال عبر طبقات دفاعاتها الجوية». هذا التساؤل لم يكن هادئًا بل جاءت الأصوات ساخطة بسبب شعور بعض الأردنيين أن مملكتهم مهتمة بأمن إسرائيل أكثر من أمنهم.
من غزة والضفة كان للناشطين رسالتهم أيضًا، الشعور بـ«التشفي» من آلة الحرب الإسرائيلية التي أزهقت أرواحهم ودمرت منازلهم كان لافتًا، يقول محمد من قطاع غزة لـ«الأخبار»، إنّه مع كل صلية إيرانية باتجاه الأراضي المحتلة يهلل ويرتجي وصولها إلى أهدافها من دون اعتراض.
«لم يستطع أحد عبر التاريخ إيلام إسرائيل أكثر من إيران»، هذا ما قاله ياسر أحد الناشطين في الضفة الغربية، هذا الشاب شعر أنّ ما تفعله إيران «ملحمي» لم يسبق لنظام عربي أن تجرأ على مثيله، وأشار إلى أنّ الصواريخ التي سقطت في القدس أثلجت صدور الفلسطينيين، وحركت آمالهم بعودة الأقصى إلى أهله، كما جعلتهم يشعرون أن جميع قادة الكيان مستهدفون والنيل منهم ليس حلمًا.
في المحصلة، «الشعوب العربية لا تشبه أنظمتها» ويمكن القول إنّه لو تحلّت الأنظمة بالوعي الذي تمتلكه شعوبها لما كانت في هذه المرحلة المتقدمة من الانصياع للولايات المتحدة ومن خلفها إسرائيل.