اوراق خاصة

بعد استشهاد أستاذين في كلية العلوم ..القانون الدولي يجرّم استهداف الأكاديميين في النزاعات المسلحة

post-img

د. زهير بشنق/أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية

يشكّل استهداف الأكاديميين والمؤسسات الجامعية، في أثناء النزاعات المسلحة، أحد أخطر الانتهاكات التي تطال البنية الفكرية والعلمية للمجتمعات. برزت هذه المسألة بوضوح في عملية الاعتداء التي وقعت اليوم الخميس، في 12 آذار 2026، عندما تعرّض حرم الجامعة اللبنانية في منطقة الحدث لغارة جوية أدّت إلى استشهاد مدير كلية العلوم الدكتور حسين بزي والأستاذ الدكتور مرتضى سرور داخل محيط الكلية. هذا؛ وأفادت تقارير إعلامية أن الغارة استهدفت محيط الحرم الجامعي، ما أدى إلى سقوط الأستاذين في موقع عملهما الأكاديمي داخل المؤسسة التعليمية. 

أولًا- الصفة القانونية للأساتذة الجامعيين

وفقًأ لقواعد القانون الدولي الإنساني، يُعدّ الأساتذة الجامعيون من الأشخاص المدنيين ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال القتالية. يترتب على هذه الصفة القانونية تمتعهم بالحماية الكاملة في أثناء النزاعات المسلحة. إذ إن القانون الدولي يفرض على أطراف النزاع الالتزام بمبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين، ويمنع استهداف المدنيين أو المؤسسات المدنية.

ثانيًا- الحماية في اتفاقيات جنيف

تنص اتفاقيات جنيف الأربع، في المادة الثالثة المشتركة، على حظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية للأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية، منها القتل بجميع أشكاله. كما أكّد البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف هذا المبدأ من خلال:

    • المادة 48 التي تفرض التمييز بين المدنيين والمقاتلين.
    • المادة 51 التي تحظر توجيه الهجمات ضد السكان المدنيين.

تبعُا لذلك؛ وبما أن الجامعات تُعدّ أعيانًا مدنية، فإن استهدافها أو استهداف العاملين فيها يشكّل انتهاكًا مباشرًا لهذه القواعد.

ثالثًا- توصيف جريمة حرب

يذهب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، في المادة 8، إلى أن قتل المدنيين عمدًا أو الهجمات المتعمدة ضد الأعيان المدنية جريمة حرب. وعليه، فإن استهداف أساتذة جامعيين داخل مؤسسة تعليمية يمكن أن يدخل ضمن نطاق هذه الجريمة؛ لا سيما وأن الضحايا دكاترة جامعة مدنيين، ولم يكن الهدف عسكريًا مشروعًا.

رابعًا- حماية الحق في الحياة

إضافة إلى القانون الدولي الإنساني، يكرّس العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، في المادة 6، حماية الحق في الحياة ويمنع الحرمان التعسفي منه. يظل هذا الحق ساريًا حتى في أثناء النزاعات المسلحة، بالتوازي مع قواعد القانون الدولي الإنساني.

خامسًا- استهداف التعليم بوصفه مفهومًا قانونيًا معاصرًا

في الأدبيات الحقوقية الحديثة؛ ظهر مفهوم “Scholasticide” (إبادة التعليم)، ويقصد به استهداف النخبة الأكاديمية والمؤسسات التعليمية بهدف تدمير بنية المجتمع العلمية والثقافية. يُستخدم هذا المفهوم في تقارير حقوق الإنسان لتوصيف قتل الأكاديميين أو تدمير الجامعات في أثناء الحروب، ولكنه يبقى عملًا مدانًا بأشكاله كافة لمخالفته للقوانين الدولية.

لذلك؛ نطالب بتحقيق دولي في حادثة اغتيال الأستاذين الدكتور حسين بزي والدكتور مرتضى سرور، في حرم كلية العلوم في الجامعة اللبنانية، والإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية لتبيان الحقيقة ومدى الإجرام وخطورة استهداف المؤسسات التعليمية خلال النزاعات المسلحة. إذ يعدّ أي هجوم متعمّد على الأكاديميين أو الجامعات انتهاكًا خطيرًا يرقى إلى جريمة حرب، في ظل غياب الضرورة العسكرية وعدم احترام مبدأ التمييز والتناسب.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد