عبد المنعم علي عيسى/جريدة الأخبار
على مبعدة أسبوعين من اندلاع حرب الخليج الخامسة، التي تفوق في تأثيراتها وأبعادها كل الحروب الأربع السابقة التي شهدها هذا الأخير منذ العام 1980، بل لعلها ستكون، في نتائجها، الحدث الأهم في المنطقة منذ انتصار الثورة الإيرانية في طهران في شهر شباط من العام 1979، كان هناك تصريحان لافتان: أولهما هو إعلان الرئيس الأميركي عن أنه «سيقبل أي مساعدة من أي دولة كانت في هذه الحرب». وثانيهما الذي أطلقه الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلنسكي يوم 5 آذار الجاري، والذي أشار فيه إلى أن «أوكرانيا سترسل مختصين ونظام الاعتراض Merops المدعوم بالذكاء الاصطناعي إلى الخليج».
ما يقوله ذانك التصريحان هو أنّ الحرب الآن قد دخلت مرحلة ما يمكن تسميته بـ«اختلال التكلفة» بين طرفي الصراع، ولعل الفعل بدا طاغياً في الحسابات التي تستند إليها واشنطن إبّان إصرارها على إطالة أمد الصراع بعدما تكشّف أن حرباً خاطفة، وسريعة، أمر لن يكون من شأنه تحقيق المرامي الأساسية من تلك الحرب.
من المؤكد أن تصريح الرئيس الأميركي، الآنف الذكر، يشي بأن ثمة خشية لدى القوة العظمى، التي أوكلت لنفسها مهمّة إدارة العالم، وفرض وجودها على أي بقعة تراها ضرورية للحفاظ على مصالحها، بدخولها مرحلة «تشتّت القوّة»، الناجمة بفعل أولويات ثلاث: الدعم الأميركي لأوكرانيا في حربها مع روسيا التي أتمّت قبل أيّام عامها الرابع دون الوصول إلى تسوية مرضية لـ«ضابط الإيقاع» الأميركي، واستمرار تسليح إسرائيل بما يضمن سيادتها على امتداد المنطقة العربية وفي محيطيها الإيراني والتركي، ثم التوتر المتصاعد ما بينها وبين الصين، والخشية هنا من أن تنجح هذه الأخيرة في مراكمة المزيد من أسباب قوّتها بمفعول رجعي ناجم عن استنزاف القوة الأميركية كنتيجة واقعية لدورها في ذينك العاملين الأوليْن، جنباً إلى جنب صراعها الدائر في مواجهة إيران.
أشارت تقارير صادرة عن مراكز أبحاث عسكرية قريبة من «البنتاغون» الأميركي إلى أن «تكلفة الـ100 ساعة الأولى من الحرب الأخيرة على إيران بلغت نحو 3.7 مليارات دولار»، وأضافت أن «العبء الأكبر لم يكن في الهجوم، بل في الدفاع وحماية السفن والقواعد الأميركية في الخليج»، كما يمكن للتفاصيل التي وردت في تلك التقارير أن تقدّم صورة أشمل عن فاعل جديد من شأنه أن يضفي بعداً جديداً على طبيعة الصراع الراهن، وفي أحدها أنّ إيران تطلق مُسيّرة «شاهد» التي تبلغ تكلفة إنتاجها نحو 40-50 ألف دولار، فتضطر واشنطن إلى إسقاطها بأحد صاروخين: الأول من نوع «باتريوت» الذي تبلغ تكلفته نحو 3.7 ملايين دولار، والفعل، وفقاً للتقديرات ذاتها، غالباً ما يحتاج إلى صاروخين من هذا الأخير.
الثاني من نوع «ثاد» الذي تصل تكلفته إلى نحو 13 مليون دولار. ويخلص أحد تلك التقارير إلى نتيجة مفادها أنّ «الدفاع في هذه الحالة يتطلّب تكلفة تصل إلى ما بين 100-200 ضعف لتلك التي يتطلّبها الهجوم»، الأمر الذي يعني «اختلالاً في التكلفة» ما بين الطرفين من النوع الذي يضفي بعداً تراكمياً بفعل طول أمد الحرب أو الصراع.
في التفاصيل التي توردها تلك التقارير يأتي واحد آخر ليشير إلى أن «المشكلة لا تكمن، فحسب، في المال والتكاليف، بل في عامل الوقت أيضاً، فالولايات المتحدة تنتج، في حالة السلم، حوالي 100 صاروخ "ثاد" في العام الواحد»، وتضيف أن «حوالي 50% من مخزون تلك الصورايخ قد جرى استنزافه خلال حرب الـ 12 يوماً في شهر حزيران 2025 والأسبوع الأول من الحرب التي انطلقت في اليوم الأخير من شهر شباط هذا العام». ليطرح واحد ثالث رزمة من الأسئلة من نوع: كم هو الوقت الذي ستصمد فيه تلك المخازن لتؤدّي مهمتها، كما يجب، إذا ما طال وقت الحرب؟ ثم ما هو أثر «اختلال التكلفة» في مسار هذه الأخيرة الذي بات بين «مدافع» يملك دقة باهظة التكاليف، و«مهاجم» يملك غزارة نارية رخيصة؟
في مواجهة هذا الواقع يشير أحد التقارير إلى أن «البنتاغون» قام بثلاث خطوات: الأولى، هي الضغط على شركات السلاح الكبرى لرفع وتيرة إنتاجها من تلك الصواريخ. والثانية، هي نقل بطاريات الدفاع الجوي من كوريا الجنوبية إلى منطقة الشرق الأوسط. أمّا الثالثة، فهي تتمثّل في العودة إلى وسائط الدفاع «الرخيصة» مثل المدافع الرشاشة بدلاً من الصواريخ الموجّهة العالية الدقّة.
لا تهدف السرديّة السابقة للقول إنّ الاقتصاد الأميركي بات عاجزاً عن دفع تكاليف الحرب الدائرة، أو إنّ شركات السلاح العملاقة باتت غير قادرة على إمدادها بمستلزماتها، بل تهدف للقول إنّ السلاح الكثيف والرخيص بات يتحدّى التكنولوجيا الفائقة والمرتفعة التكاليف، وهذا قد يؤسّس لاحقاً لتحوّل كبير في شكل وطبيعة الحروب المقبلة، حيث لا يعود «النصر» حليف مَن يملك السلاح الأكثر تفوّقاً، بل من يملك الإرادة القوية، والنفس الطويل أمام احتمالية انكسارها.
في مقلب آخر، لكن ليس ببعيد عن الأول، فإنّ تصاعد الصراع، وارتفاع تكاليفه، الذي تشير تقارير إلى أنها قد تصل إلى 200 مليار دولار إذا ما استمر لأسابيع، أو أشهر، فإنّ ذلك سوف يؤدّي إلى انزياحات كبرى في خرائط الاقتصاد العالمي؛ فروسيا ستكون أبرز المستفيدين عبر جنيها للأرباح الطائلة جراء ارتفاع أسعار النفط، وازدهار تجارة أسلحتها، ناهيك عن استنزاف الاحتياطات الأميركية الذي سيخفّف حتماً من الضغط عليها في أوكرانيا. أمّا الصين، فستكون خاسرة بمفاعيل ارتفاع أسعار الطاقة أولاً، ثم بمفاعيل التأثيرات التي ستتركها الحرب الراهنة على «طريق الحرير»، ناهيك عن النتائج التي يمكن أن يخلّفها الصراع على موازين القوى في آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين، التي ينظر الكثيرون إليها على أنها ستكون مركز الثقل العالمي في النصف الثاني من هذا القرن.
وعليه، فإنّ من المؤكد، إذا ما استمرّت المواجهات لفترة طويلة، أنّ التكلفة الكبرى ستقع على الاقتصاد الأميركي، والذي قد يدخل في حالة من الركود سرعان ما ستنقل تأثيراتها إلى مفاصل الاقتصاد العالمي، الذي قد يجد نفسه أمام أزمة غير مسبوقة منذ أزمة العام 1929.