بين التفاوض والنار… هل الاتفاق ضرورة للجميع؟

post-img

عباس قبيسي (صحيفة البناء) 

في الحروب كما في السياسة، لا تُقاس المؤشرات دائماً بعدد الصواريخ التي تُطلق ولا بحجم النيران التي تشتعل، بل بالرسائل التي تحملها تلك النيران وبالاتجاه الذي تسلكه الأحداث خلف ضجيج الميدان. فكثيراً ما يكون التصعيد في لحظاته الأخيرة أشدّ ضراوة من بداياته، لأنّ الأطراف تسعى إلى تحسين مواقعها واوراقها التفاوضية قبل الجلوس إلى الطاولة الأخيرة التي سترسم ملامح المرحلة المقبلة.

واليوم، ومع استمرار التفاوض بالنار وبالسياسة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، تبدو المنطقة وكأنها تقف عند مفترق حساس بين استمرار المواجهة لفترة وجيزة والانتقال إلى مرحلة التسويات الكبرى، فكلّ المؤشرات توحي بأنّ النار المشتعلة ليست بالضرورة مقدمة لحرب أوسع، بل قد تكون جزءاً من معركة موضعية لفرض الشروط والشروط المضاده لتحسين المكاسب قبل الوصول إلى توقيع الاتفاق أو تفاهم جديد.

هناك مجموعة من العوامل التي تدفع نحو هذا الاستنتاج، أوّلها أنّ أهداف المواجهة المعلنة بسقفها المرتفع لم تعد واضحة وقابلة للتحقيق بالزخم الذي بدأت به، فكلما طال أمد الصراع ازدادت كلفته السياسية والعسكرية والاقتصادية على الجميع، وتراجع الاعتقاد بإمكانية تحقيق انتصار حاسم لا لبس فيه يفرض إرادة طرف على الطرف الآخر.

أما العامل الثاني فيتمثل بحالة الإنهاك التي أصابت مختلف الأطراف، فلا الولايات المتحدة الأميركية ترغب في الانجرار إلى حرب واسعة في المنطقة، ولا إيران تبدو راغبة في فتح مواجهة شاملة، كما أنّ بقية اللاعبين الإقليميين يدركون أنّ أيّ توسع للحرب قد يحمل تداعيات لا تُحمد عقباها ويصعب احتواؤها.

ومن العلامات الدالّة أيضاً على انخفاض سقوف الشروط والتوقعات، فعندما يتراجع كلّ طرف خطوة إلى الوراء، لا يكون ذلك دليلاً على الهزيمة بقدر ما يكون اعترافاً بحدود القدرة على فرض الشروط القصوى، وعند هذه النقطة تحديداً تبدأ الواقعية السياسية بالتقدّم على لغة التحدي والمكابرة.

ومع ظهور هذه المرونة، تكتسب الوساطات زخماً أكبر، فالوسطاء لا يستطيعون صناعة الحلول من العدم، بل البناء على ما تحقق في الميدان ويتحركون بقوة عندما يلمسون استعداداً متبادلاً للبحث عن أرضية مشتركة، عندها تصبح التنازلات أقلّ كلفة ويتحوّل الاتفاق إلى خيار مقبول وربما إلى مكسب نسبي لجميع الأطراف المتحاربة مقارنة باستمرار الاستنزاف المكلف.

ولعلّ المؤشر الأهمّ هو أنّ الاتفاق لم يعد مطلب طرف واحد، بل بات حاجة للجميع، فكلّ طرف يبحث عن مخرج يحفظ مصالحه بالدرجة الأولى ويخفّف أعباء المرحلة الماضية، وهذا ما ينعكس في طبيعة التصريحات والمواقف الصادرة عن الأميركيين والإيرانيين، وحتى في سلوك القوى المنخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر في هذا الصراع.

صحيح أنّ “إسرائيل” لا تزال تحاول رفع سقف المواجهة وتحاول تحقيق مكاسب إضافية عبر الاستمرار في إشعال ساحة لبنان والضغط الأقصى على الجنوب تحديداً، إلا أنّ لغة الخطاب ونوعية المفردات المستخدمة لم تعد تحمل الزخم نفسه الذي رافق بداية الحرب في الثاني من آذار والإحباط والتململ الذي ينشر في الصحافة “الإسرائيلية” على لسان قادة عسكريين وأمنيين وسياسيين خير دليل، وهذا بحدّ ذاته مؤشر على أنّ الجميع بات يقرأ الوقائع الجديدة التي فرضها الميدان والتوازنات الدولية والإقليمية.

لذلك فإنّ كثافة النيران التي نشهدها اليوم وبالأمس قد تكون جزءاً من معركة تحسين الشروط قبل الاتفاق المقبل أكثر مما هي مقدمة لانفجار شامل، وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الردّ المدروس واجباً واختيار التوقيت والمكان المناسب ضرورة، فيما يشكل الصمود والمرونة معاً العنصرين الحاسمين في عبور المرحلة بأقلّ الخسائر الممكنة.

في الختام، يبقى الأمل أن تفضي هذه المفاوضات إلى تفاهمات وحلول جذرية تُوقف الحرب على جميع الجبهات وتنعكس إيجاباً على الجنوب اللبناني، لأنّ الجنوبي يدفع أثماناً باهظة من أرواحه واقتصاده واستقراره وآلام نزوحه، فالتاريخ أثبت مراراً أنّ الحروب مهما اشتدّت لا تدوم الى ما لا نهاية، وأنّ الطاولة التي تبدأ بعد ضجيج الانفجارات هي التي ترسم في النهاية شكل المرحلة المقبلة، وتُبيّن من أحسن التفاوض ومن أحسن قراءة اللحظة السياسية…

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد