اوراق مختارة

حين يسقط «ضمير ألمانيا»: يورغن هابرماس والامتحان الذي رسب فيه

post-img

سلوى دبوق/القدس العربي

رحل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس يوم السبت الرابع عشر من مارس/آذار 2026، بعد حياة امتدت قرابة قرن. تسعة عقود تقريبا أمضاها الرجل في الكتابة والجدال والتفكير في سؤال واحد بدا له أساسيا: كيف يمكن للبشر أن يعيشوا معا، من دون أن يدمر بعضهم بعضا؟ لم يكن هابرماس مجرد أستاذ فلسفة يكتب بلغة معقدة داخل الجامعات. بالنسبة لكثيرين في ألمانيا وأوروبا، كان يمثل شيئا أعمق: صوت الضمير بعد كارثة القرن العشرين. الفيلسوف الذي حاول أن يقنع مجتمعا خرج من ظلام النازية بأن الديمقراطية ليست مجرد نظام حكم، بل أسلوب حياة يقوم على الحوار والاعتراف المتبادل بين البشر.

ولد هابرماس عام 1929 في مدينة دوسلدورف، في زمن كانت فيه ألمانيا تنزلق ببطء نحو الهاوية. كان طفلا عندما صعدت النازية إلى السلطة، ومراهقا عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، تاركة بلاده في حالة خراب مادي وأخلاقي. تلك السنوات المبكرة، التي عاش فيها انهيار عالم كامل، ستظل حاضرة في وعيه طوال حياته. لكن هناك تجربة شخصية أخرى تركت أثرا عميقا في شخصيته، فقد وُلد هابرماس بشفة أرنبية، وهو عيب خلقي في النطق، جعله منذ طفولته يشعر بصعوبة أن يُفهم كلامه بسهولة. احتاج إلى عمليات جراحية وإلى جهد مضاعف لكي يتكلم بوضوح. ربما لهذا السبب بالتحديد أصبح التواصل بالنسبة له أكثر من مجرد مفهوم فلسفي. كان تجربة شخصية، تجربة إنسان يعرف معنى أن يحاول أن يُسمع صوته. من هذه التجربة الإنسانية البسيطة، خرجت إحدى أهم أفكار الفلسفة المعاصرة: فكرة العقل التواصلي. بالنسبة لهابرماس، لا تقوم الحقيقة فقط على ما يفرضه الأقوياء أو ما تفرضه المؤسسات، بل على ما يمكن للبشر الدفاع عنه عقلانيا أمام بعضهم بعضا في نقاش حر.

هندسة الحوار.. مشروع الحداثة غير المكتمل

عندما تولى هابرماس كرسي الفلسفة في جامعة فرانكفورت عام 1964، أصبح أحد أبرز ممثلي الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية، المدرسة الفكرية التي حاولت فهم كيف استطاعت الحداثة الأوروبية، أن تنتج في الوقت نفسه التقدم العلمي والكارثة السياسية. لكن هابرماس اختلف عن كثير من أساتذته في نبرة التشاؤم. فبينما رأى بعض مفكري مدرسة فرانكفورت أن العقل الحديث تحول إلى أداة للهيمنة والسيطرة، كان هابرماس يعتقد أن المشكلة ليست في العقل نفسه، بل في الطريقة التي يُستخدم بها. لذلك كتب عبارته الشهيرة: الحداثة مشروع غير مكتمل.

في نظره، ما يحتاجه العالم ليس التخلي عن العقل، بل توسيعه. فإلى جانب «العقل الأداتي» الذي يهتم بالوسائل والنتائج، يجب أن يوجد «العقل التواصلي»، العقل الذي يسعى إلى التفاهم بين البشر، ويجعل الحوار أساس الشرعية السياسية والأخلاقية. تجلت هذه الأفكار في عدد من الكتب التي أصبحت لاحقا مراجع أساسية في الفلسفة السياسية والاجتماعية الحديثة. ففي كتاب «التحول الهيكلي للمجال العام» (1962) وصف نشوء الفضاء العام الحديث، ذلك الفضاء الذي يستطيع فيه المواطنون أن يناقشوا الشأن العام بحرية بعيدا عن سلطة الدولة. ثم جاء عمله الضخم «نظرية الفعل التواصلي» (1981)، الذي حاول فيه بناء نظرية فلسفية كاملة حول التواصل الإنساني، وكيف يمكن للحوار العقلاني أن يصبح أساسا للأخلاق والسياسة معا. وفي كتابه «بين الوقائع والمعايير» (1992) سعى إلى فهم العلاقة الدقيقة بين القانون والديمقراطية، مؤكدا أن الشرعية السياسية لا يمكن أن تُفرض بالقوة، بل يجب أن تنشأ من نقاش عام يشارك فيه المواطنون بوصفهم أطرافا متساوية.

حتى في علاقته بالدين، لم يتبنَّ هابرماس الموقف العلماني الصلب، الذي يرفض أي حضور للدين في المجال العام. ففي حواره الشهير مع البابا بندكت السادس عشر تحدث عن مرحلة ما بعد العلمانية، حيث يتعلم المجتمع الحديث، أن يصغي أيضا إلى اللغة الأخلاقية التي تحملها التقاليد الدينية. كان حلمه في النهاية بسيطا وصعبا في آن واحد: عالم يتعلم فيه البشر أن يختلفوا، من دون أن يتحول اختلافهم إلى عنف.

لحظة الاختبار: غزة

لكن الأفكار الفلسفية الكبيرة لا تُختبر في الكتب، بل في اللحظات التاريخية القاسية. بعد أحداث هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تلاها من حرب مدمرة على غزة، وقّع هابرماس بيانا أعلن فيه تضامنا واضحا مع إسرائيل. بالنسبة لكثيرين، خصوصا في العالم العربي، بدا هذا الموقف صادما. فالفيلسوف الذي بنى مشروعه الفكري على فكرة الحوار الشامل، بدا في تلك اللحظة وكأنه يتجاهل صوت الطرف الأكثر تضررا في المأساة. لم يكن الأمر مجرد اختلاف سياسي عابر، بل بدا لكثير من النقاد، وكأنه مفارقة مؤلمة. كيف يمكن لنظرية تقوم على إشراك جميع الأطراف في النقاش أن تنتهي إلى موقف يستبعد صوت الضحية؟

طرحت هذه المفارقة أسئلة كثيرة حول حدود الفكر الأوروبي نفسه. فهناك من رأى أن عقدة الذنب الألمانية تجاه الهولوكوست، ما تزال تؤثر في كثير من المواقف الأخلاقية في ألمانيا المعاصرة. وهناك من اعتبر أن مفهوم «المجال العام» الذي تحدث عنه هابرماس ظل في العمق مجالا أوروبيا، يصعب عليه أن يرى العالم خارج حدوده الثقافية. كما طرح البعض سؤالا آخر أكثر إنسانية: هل يمكن حتى للفلاسفة الكبار أن يظلوا منفتحين على مراجعة قناعاتهم في سن متقدمة، أم أن الزمن يجعل الأفكار تتحول أحيانا إلى يقينيات صلبة يصعب زعزعتها؟

إرث مزدوج

مع رحيل هابرماس، يبقى إرثه الفكري مزدوجا. فمن جهة، كان أحد أهم المدافعين عن فكرة أن الديمقراطية ليست مجرد مؤسسات، بل ثقافة حوار واحترام متبادل. ومن جهة أخرى، كشفت مواقفه الأخيرة، أنه حتى أكثر النظريات مثالية قد تتعثر عندما تواجه الواقع السياسي المعقد. لكن المفارقة الجميلة في فلسفة هابرماس هي أنه ترك لنا الأدوات اللازمة لمساءلته. فالنظرية التي صاغها حول الخطاب العقلاني تسمح لنا اليوم أن نسأله، حتى بعد رحيله، السؤال نفسه الذي كان يطرحه على الآخرين: هل يمكن الدفاع عن هذا الموقف أمام جميع الأطراف المعنية، بمن فيهم أولئك الذين يدفعون الثمن الأكبر؟

لهذا السبب لن يكون إرث هابرماس مجرد مجموعة من الكتب الفلسفية، بل سؤال مفتوح حول معنى الحوار نفسه، فالعالم الذي حلم به، عالم التفاهم العقلاني بين البشر، ما يزال بعيدا. لكنه مع ذلك يظل أحد أكثر الأحلام السياسية والأخلاقية إلحاحا في زمن يزداد فيه الصراخ ويقل فيه الإصغاء. رحل الرجل، لكن السؤال الذي قضى حياته وهو يطرحه ما يزال قائما: كيف يمكن للبشر أن يتعلموا أخيرا أن يسمعوا بعضهم بعضا، قبل أن يصبح الكلام نفسه بلا جدوى؟

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد