د. زينب الطحان/كاتبة وأستاذة جامعية
رحل أحمد قعبور، خبر رحيله تصدّر نشرات المساء الإخبارية في لبنان المقاوم الذي أحبه وسخر فنه لتمجيد انتصاراته على العدو الصهيوني..كأن نغمة كاملة انطفأت من ذاكرة مدينة، لقد فقدت بيروت المقاومة واحدًا من أكثر أصواتها صدقًا ودفئًا. كان حالاً إنسانية تمشي على قدمين، فلم يكن فنانًا يغنّي لأجل الغناء المتعة والمجون، كان صوتًا حمل همّ الناس كما لو أنه جزء من نبضهم اليومي.
منذ بداياته، أتى صوته من بيتٍ بسيط لا من برجٍ عاجي يتنكّر لهموم وطنه وأبنائه، من “مصطبة” تختلط فيها رائحة مربّى السفرجل بصوت كمان والده، أول عازف كمان في لبنان. هناك، تشكّلت أولى ملامح وعيه: أمّ أميّة تؤمن بالعلم، وبيت يتّسع للجميع، وقلب يتعلّم مبكرًا أن الوطن ليس شعارًا، هو دفء وذاكرة ومسؤولية. من تلك التفاصيل الصغيرة، خرج صوت كبير، يعرف أن الفن ليس ترفًا، هو امتداد للحياة.
وُلد أحمد قعبور في العاصمة بيروت في العام 1955، في مدينة كانت تنبض بالحياة، لكنها كانت أيضًا تقف على حافة التحولات الكبرى. في أزقّتها؛ تعلّم أن السياسة جزء من الحياة اليومية، وليست ليست نقاشًا نخبويًا. مع تقدّمه في العمر، بدأ وعيه الموسيقي يتبلور، لا سيما عندما تلمّذ على يد سليم فليفل، والذي علّمه الغناء، ومع الغناء علّمه أن الإصغاء يسبق الصوت، وأن العلاقة بين الكلمة واللحن هي جوهر الفن لا زينته.
لكن اللحظة المفصلية في حياته جاءت مبكرًا، حين لم يتجاوز التاسعة عشرة، مع أغنية "أناديكم، وأشدّ على أياديكم..". كانت القصيدة للشاعر توفيق زياد، لكنها في صوت قعبور تحوّلت إلى نداء إنساني عابر للحدود. أغنية كفكفت دموع جيل كامل بعد الهزائم التي اعتادها العرب في حروبهم مع الكيان الصهيوني الغاصب، وصارت لاحقًا واحدة من أبرز الأناشيد المرتبطة بالقضية الفلسطينية، تُردّد في الساحات والبيوت- وما تزال- كأنها عهد لا ينكسر.
منذ تلك اللحظة؛ صار قعبور صوتًا لقضية. ارتبط اسمه بفلسطين، لا موضوعًا فنيًا، إنما مثّل هوية وجدانية. تأثر بأعمال غسان كنفاني، وتأثر بشخصية "أم سعد" إلى حدّ أنه سمّى ابنه البكر "سعد"، في إشارة إلى مدى تغلغل القضية في حياته اليومية. حتى إن الشاعر العربي الفلسطيني الكبير محمود درويش ظنّه فلسطينيًا، في موقف يلخّص عمق انتمائه الإنساني قبل أي انتماء آخر.
في زمن كانت فيه الأغنية الملتزمة في أوجها، إلى جانب أسماء مثل مارسيل خليفة والشيخ إمام، استطاع قعبور أن يصنع نبرته الخاصة. كان صوته عميقًا، يشبه الناس، ويشبه وجعهم اليومي، وليس مجرد صوت صاخب، لكنه. غنّى "يا نبض الضفة"، و"سمّوني لاجئ"، و"خلّينا مع بعض"، و"بدي غني للناس"، وظلّ في كل ذلك وفيًّا لفكرة واحدة: أن الفن يجب أن يكون في خدمة الإنسان، والإنسان المقهور والمظلوم تحديدًا.
في أثناء الحرب اللبنانية، لم يتراجع صوته، لقد ازداد حضورًا. لم يكن يغنّي للسياسة بقدر ما كان يغنّي للإنسان داخلها. حافظ على استقلاله، رافضًا أن يتحوّل إلى أداة في يد أي جهة أو تنظيم سياسي، ومفضّلًا أن يبقى صوته حرًّا، يصل مباشرة إلى الناس من دون وساطة.
لم تقتصر تجربته على الغناء، لقد امتدت إلى المسرح والتلفزيون والسينما، حيث شارك في أعمال مع الراحل الكبير زياد الرحباني، وظهر في أعمال تناولت قضايا إنسانية ووطنية، منها فيلم عن الراحل الفلسطيني العبقري "ناجي العلي"، والذي يشبهه في صدقه وحدّته ووضوح موقفه.
في سنواته الأخيرة، دخل معركة قاسية مع المرض. لكن حتى في ذروة الألم، لم يتخلَّ عن صوته. ظلّ يغنّي، كأن الغناء شكلٌ من أشكال المقاومة. في إحدى أمسياته الأخيرة؛ غلبته الدموع وهو يؤدي "أناديكم".. واختلّ توازنه للحظة، لكنه عاد وأكمل. لم يكن ذلك ضعفًا، إنما هي ذروة الصدق، لحظة يتقاطع فيها الجسد المتعب مع الروح التي ترفض الانكسار.
.jpg)
كان يعرف، في قرارة نفسه، أنه أنجز ما أراد. قالها ببساطة تشبهه: “"لّق فيّي فلّ وأنا راضي".. عبارة تختصر رحلة كاملة من الالتزام والصدق، وتكشف إنسانًا وصل إلى سلام نادر مع ذاته.
برحيل أحمد قعبور، تخسر بيروت جزءًا من ذاكرتها الحيّة وتاريخها المقاوم؛ لكن صوته لا يغيب. سيبقى في تلك الأغنية أكبر من مجرد لحن، بل نداء: "أناديكم… أشدّ على أياديكم"..
هكذا؛ لا يُختصر قعبور في سيرة أو في أغنية، سيبقى أنموذجًا مستمرًا وصوتًا يشبه الحقيقة.. ويستمر كلما خفَت ضجيج العالم، ليذكّرنا أن الفن، حين يكون صادقًا، لا يموت.