آية يوسف المسلماني (صحيفة الجمهورية)
لا يولد الطفل خائفاً كما نظنّ، بل يتعلّم الخوف تدريجياً من البيئة التي تحيط به، ومن العيون التي تراقبه بقلق، ومن الأصوات التي تسبقه إلى التحذير قبل أن يخطو أولى خطواته نحو الحياة. فالطفولة ليست مساحة معزولة عن مشاعر الكبار، بل هي المرآة الأكثر حساسية لما يختبئ داخلهم من قلق واضطراب وتوتر.
كثيراً ما نلاحظ أطفالاً يخشون أموراً تبدو عادية جداً، مثل الخروج وحدهم، التحدُّث أمام الآخرين، تجربة أشياء جديدة، أو حتى الابتعاد لبضع دقائق عن والدتهم.
مخاوف سببها غالباً الأم؟
وقد يظنّ البعض أنّ هذه المخاوف جزء طبيعي من تكوين الطفل، بينما الحقيقة أنّ جزءاً كبيراً منها يُزرَع بصمت داخل البيت، وينمو مع تكرار القلق والخوف المفرط من مقدّم الرعاية، وغالباً ما تكون الأم.
الأم التي تعيش قلقاً دائماً على طفلها، قد تنقل إليه هذا القلق من دون أن تشعر. حين تراقب حركته بخوف، وتبالغ في تحذيره من السقوط أو الاختلاط أو التجربة، فإنّها ترسم في داخله صورة غير آمنة عن العالم.
ومع الوقت يبدأ الطفل بتبنّي هذا الشعور، لا لأنّه اختبر الخطر فعلاً، بل لأنّه تعلَّم أنّ الحياة مليئة بما يجب الخوف منه. الحماية الزائدة تبدو في ظاهرها حباً، لكنّها أحياناً تتحوَّل إلى قيد نفسي غير مرئي.
فالطفل الذي يُمنع باستمرار من خوض التجارب البسيطة، يكبر وهو يشك بقدرته على المواجهة. ومَن يسمع يومياً عبارات مثل: انتبه، لا تفعل، هذا خطر، قد يقتنع داخلياً بأنّ العالم مكان مخيف، وأنّه أضعف من أن يتعامل معه وحده.
والأخطر من ذلك أنّ بعض الأمهات يعشن ضغوطاً نفسية هائلة من دون أي دعم حقيقي.
انعكاس المشاعر على الطفل
القلق، التوتر، الاكتئاب، الخوف من الفقد، أو حتى الإرهاق المستمر الناتج من المسؤوليات اليومية، كلها مشاعر تنعكس على الطفل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فالطفل لا يفهم المصطلحات النفسية، لكنّه يشعر بالطاقة المحيطة به، ويلتقط التوتر من ملامح الوجه، نبرة الصوت، وطريقة الاحتواء. لهذا لا يمكن الحديث عن صحة الطفل النفسية بمعزل عن صحة الأم النفسية. فالأم المرهقة نفسياً لا تحتاج إلى لوم إضافي بقدر ما تحتاج إلى احتواء وفهم ودعم. لأنّ استقرارها النفسي لا ينعكس عليها وحدها، بل ينعكس على طريقة بناء شخصية طفلها، وعلى شعوره بالأمان، وثقته بنفسه، وقدرته لاحقاً على مواجهة الحياة.
إنّ تربية طفل سليم نفسياً لا تعني إبعاده عن كل خوف، فهذا أمر مستحيل، بل تعني تعليمه كيف يواجه مخاوفه من دون أن تتحوَّل إلى سجن داخلي. وتعني أيضاً أن ندرك نحن الكبار أنّ بعض التصرُّفات التي نمارسها بدافع الحب، قد تترك آثاراً طويلة الأمد إذا تجاوزت حدود التوازن.
لنتوقف عن سؤاله ممّ تخاف؟
فالخوف الذي يسكن الطفل اليوم، قد يتحوَّل غداً إلى تردُّد دائم، أو قلق مزمن، أو شخصية تخشى اتخاذ القرار. وما يبدو لنا مجرّد حرص زائد قد يصبح مع السنوات عبئاً نفسياً يرافقه في علاقاته ودراسته وحياته بأكملها. ربما علينا أن نتوقف قليلاً عن سؤال الطفل: ممّ تخاف؟
وأن نسأل أنفسنا أولاً: أي خوف أوصلناه إليه من دون أن ننتبه؟ فالطفولة لا تُبنى بالكلمات فقط، بل بالمشاعر التي يعيشها الطفل يومياً. والأطفال في النهاية لا يرثون ملامحنا وحدها، بل يرثون أيضاً طريقتنا في النظر إلى العالم.