خضر حسان (صحيفة المدن)
تمرّ الحرب في لبنان بمراحل مختلفة، تحمل كلّ واحدة منها طابعاً أكثر خطورة، لا سيّما على مستوى مصير النازحين. ومنذ تجدّد الحرب في 2 آذار الماضي إثر إطلاق حزب الله 6 صواريخ ثأراً لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، كانت المؤشّرات تتّجه نحو مستقبل أكثر قتامة ممّا فرضته حرب الـ2024 التي انتهت بوقف هشّ لإطلاق النار، تمكّن خلاله أبناء القرى الحدودية من زيارة قراهم وإعادة صياغة جزئية للحياة هناك، من خلال إعادة ترميم منازل لم تدمّر بشكل كامل. وبالتوازي، كانت الدولة قد أطلقت عمليات إزالة الركام وبدأت التحضير لجذب التمويل لإعادة الإعمار.
لكن بعد 2 آذار، بات على أبناء الخطّ الثاني والثالث من القرى الجنوبية، التعايش مع أسلوب جديد من الحياة، في ظل انعدام أفق الحلّ القريب للحرب وإنهاء رحلة النزوح القسري. وفي معرض محاولة التعايش، بدأت عمليات الانتقال نحو مناطق أبعد من الشوف وأقليم الخروب وبيروت ومحيطها، صعوداً باتجاه الشمال، طلباً لإيجارات أرخص. واللافت للنظر أنّ الطلب اتّجه نحو منازل فارغة من الآثاث، وهو سلوك مغاير تماماً للسلوك الذي سجّل خلال شهريّ آذار ونيسان الماضيين.
الحرب لم تعد نزهة
في بداية آذار خرج الجنوبيون إلى المناطق التي نزحوا إليها بين نهاية أيلول ونهاية تشرين الثاني 2024، وخصوصاً باتجاه قرى أقليم الخروب. ولم يكن مستغرباً الأسعار الخيالية للشقق، إذ دفعوا مثل هذه الإيجارات قبل نحو عام ونصف. ورغم الامتعاض، دفعَ كثيرون إيجارات شهرية تراوحت بين 1000 و2000 دولار للشقة الواحدة.
لكن تصاعد المخاطر والتدمير الكامل للقرى الحدودية وتفاقم المؤشّرات سوءاً، أكّد أنّ الحرب الحالية لم تعد نزهة يمكن خلالها التضحية بإيجار شهر أو شهرين لمنزل مفروش، طلباً للراحة والرفاهية، خصوصاً لمن يحمل مسؤولية عائلة أو أكثر. وعليه، اتّجه الجنوبيون نحو خيارات أقل كلفة من الناحية المادية. فاختار أحد أساتذة التعليم الخاص، الانتقال من منزل استأجره في البترون مع بداية الحرب، بـ2000 دولار شهرياً، إلى منزل في صيدا بـ1000 دولار. فتحوَّلَ الخيار من "تأمين جوّ مريح للأولاد" إلى "ضمان الاستدامة المالية لأطول فترة ممكنة"، بحسب ما يقوله في حديث لـ"المدن".
في الوقت نفسه، قرّر أحد أصحاب المشاريع السكنية في منطقة صور، تغيير مكان السكن من منزل مفروش استأجره في منطقة عاليه قبل شهرين، بـ1500 دولار، إلى منطقة المنية في شمال لبنان، ليستأجر منزلاً فارغاً بـ300 دولار، بناءً على نصيحة شقيقه الذي سبقه إلى هناك، لأنّ "الحالة المادية لم تعد تحتمل المغامرة بدفع مبالغ مالية كبيرة شهرياً، في حين أنّ الحرب مستمرة ولا نعرف متى تنتهي وإلى أين تتّجه الأمور"، وفق ما يقوله لـ"المدن". ويشير إلى أنّ "المشكلة المادية تتعلّق بعدم القدرة على استيفاء إيجارات المنازل المؤجّرة في الجنوب بشكل كامل. فبعض المستأجرين يدفعون جزءاً من الإيجار، والأغلبية لا تدفع أبداً". ويؤكّد أنّ خيار الانتقال إلى شمال لبنان واستئجار شقّة فارغة "هو الخيار الأفضل في الوقت الراهن". وبحسابات بسيطة "أجرة المنزل في المنية، مع فاتورة المولّد، لا تصل إلى ثلث أجرة المنزل في عاليه. ويضاف إلى ذلك ثمن بعض الأثاث الضروري وأدوات المطبخ التي ندفع ثمنها لمرّة واحدة، يمكن توفير بين 800 إلى 1000 دولار شهرياً. ولذلك، فإنّ أجرة شهر واحد في عاليه، تغطّي نحو 3 أشهر في المنية".
التخلّي عن الرفاهية
بعض الأمور الأساسية في الأيام العادية، تُعَدّ رفاهية في زمن الحرب. فالجلوس على أريكة مريحة أو النوم على سرير واسع، يتحوّل في الحرب إلى رفاهية. ومع أنّ في ذلك انتقاص من الحقوق الإنسانية، إلاّ أنّ الأولويات تتبدّل ليصبح الحفاظ على الحياة هو الهدف الأسمى، فيتحوّل الاهتمام من الحصول على سرير واسع إلى إيجاد فرشة اسفنج مناسبة، فيما يتم الحفاظ على المال لمواجهة أي طارىء.
وبالتوازي، يعمد بعض النازحين إلى الاكتفاء بشراء الكراسي البلاستيكية عوض أرائك للصالون. فيما يلجأ نازحون آخرون إلى تأمين كميات إضافية من الفرش، ليخصّصوا قسماً منها للجلوس على الأرض في الصالون، فيما القسم الآخر يُترَك للنوم. أمّا تأمين الفرش، فيُحال إلى بعض الجمعيات والأحزاب والشخصيات المتموّلة في المناطق، والتي توزّع الفرش والأغطية وبعض الوسادات مجاناً.
أمّا الأدوات الكهربائية، فيتدنّى مستوى اختيارها من اللجوء إلى أفضل العلامات التجارية إلى أفضل الأسعار. وكلّما كان السعر أقل، كان مناسباً. فيُستَبدَل البرّاد الكبير بآخر صغير يكفي لحفظ بقايا الطعام وتأمين مياه باردة في الطقس الحار. أمّا غسّالة الثياب، فتنتقل مفاضلة النازحين من الغسّالة الأوتوماتيكية بحوضٍ كبير، إلى الغسّالة الصغيرة بحوضين، ذات السعر الأرخص والتي لا تستهلك كمية كبيرة من الكهرباء لتسخين المياه. علماً أنّ بعض العائلات التي وجدت منازل متجاورة في المبنى نفسه، قرّرت تقاسم الأكلاف وشراء غسّالة واحدة وبرّاد واحد، والاعتياد على نظام المشاركة.
ما يحصل في يوميات النازحين الجنوبيين، لم يكن في الحسبان بالنسبة للكثيرين، في حين استدرك البعض منذ البداية أنّ احتمالات الحرب قد تذهب نحو الأسوأ، فكان اللجوء باكراً نحو الخيارات الأقل كلفة مادياً. وهذه الحسابات لم تقتصر على محدودي الدخل، بل طالت الفئات المتوسّطة التي لديها القدرة على تأمين أجرة منزل مفروش، لكن "كي لا تكون الحسابات خاطئة ضمن فترة زمنية طويلة، كان الخيار الأفضل هو الاقتصاد بصرف المال، منعاً لاستنزاف المداخيل سريعاً". على حدّ تعبير أحد النازحين الذي أكّد لـ"المدن" أنّ الخيارات الأفضل "تستدعي استمرار البحث عن منازل بأجرة أقل. وكلّما طال أمد الحرب، بات إيجاد منزل أرخص، حاجة ضرورية، حتى لو اضطررنا إلى تحمّل الاكتظاظ العددي".
هي رحلة قسرية متعدّدة الأوجه. وجهها الاقتصادي يرتكز على ضمان الاستدامة المالية لمواجهة التحديات المقبلة من زمن الحرب المفتوحة. هذه الاستدامة تؤرق مَن لا يزال لديه مصدر مالي، سواء راتب أو ادخار، في حين أنّ البعض أجبِرَ منذ اليوم الأول للحرب، على التوجّه نحو مراكز الإيواء، لانعدام القدرة المالية على الاستئجار، وإن كان منزلاً فارغاً.