مروة جردي/جريدة الأخبار
واجهت قناة «الجزيرة» اختبارًا صعبًا خلال الحرب الأخيرة على إيران، بين أصوات مؤيّدة ومعادية لطهران وجدل واسع أثاره المحلل لقاء مكي. منذ 21 آذار (مارس)، بدا أنّ القناة تعيد ترتيب حساباتها: عودة أصوات كانت مكتومة وتراجع التركيز على الملف الإيراني في قسم الدراسات، في مؤشر إلى محاولة لاستعادة ثقة جمهورها وسط استقطاب عربي متصاعد
بعد تغييب قناة «الجزيرة» القطرية عددًا من الأصوات الصحافية والأكاديمية المؤيدة لإيران في حربها ضد «إسرائيل» والولايات المتحدة الأميركية («تغييب الصوت الآخر: «الجزيرة» ترسم حربًا على قياس قطر »، موقع «الأخبار» 20 آذار/ مارس)، في مقابل إبراز أصوات معادية لطهران، وصل بعضها إلى حد الدعوة لاستهداف المدنيين، يبدو أنّ القناة عادت خطوات إلى الوراء، في محاولة لاستعادة ثقة جمهورها الذي بدأ يشكك في أدائها خلال الحرب، وفي شعارها «الرأي والرأي الآخر». ولم تواجه «الجزيرة» هذه الانتقادات بشكل مباشر، بل اتجهت إلى تمرير رسائل غير مباشرة، عبر توسيع هامش حضور بعض الأصوات في مقابل تقليص أخرى، في محاولة لامتصاص غضب الجمهور.
في هذا السياق، شكّل الظهور الثاني للمحلل لقاء مكي خلال الحرب دق جرس إنذار للقناة، التي وجدت نفسها أمام أخبار وشائعات عن تهديدات باستهدافها بشكل مباشر، على خلفية تصريحات ضيفها الذي دعا إلى استهداف المدنيين في إيران، قائلًا «وأنا أشاهد مراسلكم، انتبهت أنّ الحياة خلفه طبيعية، وللضغط على إيران يجب تهديد ذلك». وكان مكي قد أثار جدلًا واسعًا في ظهوره الأول، حين دعا دول الخليج إلى الانخراط في الحرب التي تسعى الولايات المتحدة إلى إدارتها في مواجهة إيران. وهو ما اعتبره كثيرون خطابًا ذا طابع طائفي يخدم المصالح الإسرائيلية.
مع ذلك، حاول مكي الدفاع عن نفسه بنشر تدوينة مطوّلة عبر حسابه على منصة إكس، حاول فيها الدفاع عن قناة «الجزيرة» والتبرؤ من الاتهامات الموجهة إليه، معتبرًا أنّ تصريحاته أُخرجت من سياقها. وقال: «ما زالت تداعيات التسجيل المجتزأ لمداخلتي على «الجزيرة» تتفاعل، رغم أنّ بعض المؤثرين نشروا لاحقًا التسجيل الكامل، الذي يبيّن أن كلامي كان شرحًا للأهداف الأميركية والإسرائيلية، لا تحريضًا على ضرب إيران».
أضاف في تغريدة أخرى: «أعرف أنّ الحملات ضد «الجزيرة» لن تفت في عضدها، ولن ترهبها أو تغيّر مسارها المهني، لكنني أرى أيضًا أنّ الاستقطاب الحاد في الشارع العربي، والشعبوية المتعصبة، والحملات المنهجية، كلّها تدمر الوعي العربي أكثر مما فعلته إسرائيل والدوائر الصهيونية».
في المقابل، صدرت ردود من شخصيات قطرية وخليجية شددت، بشكل غير رسمي، على ضرورة الفصل بين الضيف والمؤسسة الإعلامية، معتبرةً أنّ مكي يحاول الخلط بينه وبين القناة، وهو أمر «غير مقبول». وكتب أمين عام حزب «التجمع الوطني القطري»، يحيى عسيري، ردًا عليه: «أنت لست «الجزيرة» حتى تصنع هذا الربط بلا منطق! ثانيًا: من أخطاء الجزيرة وجودك على شاشتها، خصوصًا في هذه الأوقات العصيبة».
اعتبر بعض المتابعين هذا السجال نوعًا من التنصّل من المواقف التي طُرحت على الهواء، خصوصًا مع تصاعد التساؤلات حول دور المذيع الذي لم يقاطع الضيف أو يعترض على تصريحاته. وجاء في أحد التعليقات: «الأخطر هو تحولك من خبير إلى محرّض ضد المنشآت المدنية والمدنيين، في تجاوزٍ لمسؤوليتك الإعلامية، كاد أن يرتد بكارثة ديبلوماسية على قطر وشعبها. الوعي العربي المعاصر تجاوز زمن الأيقونات التي لا تُمسّ، وبات يفرق بين التنوير الحقيقي والاستقطاب المؤدلج».
عودة الأصوات المكتومة
في أحد مؤشرات تراجع «الجزيرة» عن اصطفافها الإعلامي الذي يفهم منه معاداة لإيران ــــ رغم استمرار عمل مكتبها ومراسليها من طهران ــــ برزت عودة حسابات شخصيات كانت قد أُغلقت سابقًا من دون توضيح الأسباب ومن بينها حساب الباحثة فاطمة الصمادي، التي استأنفت نشاطها من دون أي تعليق على فترة الغياب، مكتفيةً بالإشارة عند الاستفسار إلى أنها هي التي أغلقت الحساب، من دون شرح الدوافع.
في المقابل، كان لافتًا ظهور حساب الناشطة وصانعة المحتوى منى حوا مجددًا، للإعلان عن قرارها بوقف نشاطها، بعد نشر توضيح قالت فيه: «للتوضيح: لم أتعرض لاعتقال في قطر، ولم يتم استدعائي من أي جهة أمنية، ولم أتلقّ أي اتصال بخصوص الأحداث الجارية. أعيش بأمان مع طفلي في الدوحة، وأرجو أن تنتهي هذه الحرب قريبًا. أرفض استخدام اسمي للإساءة إلى سمعة قطر. أعاد الله العيد على بلادنا الإسلامية كلها بالخير والطمأنينة».
يُذكر أن الحسابات المذكورة، لكلّ من الصمادي وحوّا، عادت للنشاط في 21 آذار (مارس). كما سبق ذلك إعلان متداول عبر ناشطين عن إطلاق سراح الأكاديمي والمحلل السياسي الفلسطيني سعيد زياد، الذي عُرف بظهوره المتكرر على شاشة «الجزيرة» في السنوات الماضية، بعد توقيفه لأيام عدة على خلفية مواقفه المؤيدة للضربات الإيرانية على «إسرائيل».
اشتباكات «فوق السلطة»
على هامش التوتر الذي تعيشه القناة في سياستها التحريرية وعلاقتها مع جمهورها، أثار بيان نُشر عبر حساب براء نزار ريان موجة واسعة من التفاعل، لا سيما أنه تحدث عن اعتقاله وترحيله من قطر على خلفية مواقفه الداعمة لإيران خلال حرب الـ 12 يومًا (في عام 2024) التي تزامنت مع استهداف طهران قاعدة العديد الأميركية على الأراضي القطرية.
رغم نفي شقيقه، بلال نزار ريان، أي صلة لبراء بهذا الحساب، مؤكدًا أنه «حساب مزور» وداعيًا إلى عدم التعامل معه، ومضيفًا أن «براء بخير، وكل ما يُتداول عبر حسابات وهمية ومجهولة لا أساس له من الصحة»، فإنّ ذلك لم يمنع من اندلاع سجال لفظي بينه وبين مقدم برنامج «فوق السلطة» على قناة «الجزيرة» نزيه الأحدب، على خلفية مواقف سياسية سابقة تتعلق بحركة الجهاد في سوريا.
قسم الدراسات يستريح من الحرب الإيرانية
كان لافتًا تراجع حضور الملف الإيراني في «مركز الجزيرة للدراسات»، مع نشره ورقةً بحثية بعنوان «الأقليات في زمن التفكك... من الهامش إلى قلب الصراع»، بعد فترة كان فيها العنوان الإيراني يتصدّر محتوى القسم. ويبدو أن هذا التراجع تزامن مع 21 آذار، في مؤشر إلى توقف مؤقت عن التركيز المكثف على هذا الملف.
كانت آخر الأوراق المنشورة ذات الصلة تحمل عنوان «إيران وكسر الخطوط الحمراء وتوسيع مسرح الحرب»، وقدمت قراءة ناقدة للسلوك الإيراني، معتبرة أنّه دخل مرحلةً جديدة يمكن وصفها بـ«الجنون الاستراتيجي»، من خلال توسيع نطاق الحرب جغرافيًا ونوعيًا، بهدف رفع كلفة الصراع على جميع الأطراف، من دون الوصول إلى مواجهة شاملة مدمّرة.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إنّ «الجزيرة» تجنّبت في تغطيتها توريط العاملين فيها في تبنّي خطاب معادٍ لإيران بشكل مباشر، لكنها في المقابل اعتمدت، وفق منطق التأطير الإعلامي، على استبعاد بعض الأصوات وتصدير أخرى إلى جمهورها. غير أنّ المبالغة في هذا التأطير، التي وصلت إلى حد تهميش أصوات لصالح أخرى، جعلت السياسة التحريرية للقناة تبدو نافرةً ومثيرة للتساؤلات.
مَن يتابع أداء «الجزيرة»، يلحظ تراجع هذا النهج بشكل ملحوظ منذ 21 آذار (مارس). ويطرح ذلك تساؤلات حول أسباب هذا التحول: هل جاء نتيجة إدراك القناة أنّها تجاوزت حدود المهنية والخطاب المقبول، أم بسبب معطيات وتسريبات تشير إلى اقتراب اتفاق أميركي–إيراني قد ينهي الحرب؟ وهو ما قد يفرض إعادة ترميم العلاقة مع طهران، تمهيدًا لتغطية مرحلة سياسية تُعد من أكثر مراحل المنطقة حساسية.