وائل المولى/ موقع "ألواح طينية"
في بداية الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران ، لم يكن الحديث يدور حول مضيق هرمز، ولم يكن أحد يقول إن الهدف هو حرية الملاحة أو فتح الممرات البحرية، لأن المضيق ببساطة كان مفتوحًا، والسفن كانت تمر، والنفط كان يتدفق، والتجارة العالمية لم تكن متوقفة. لكن مع مرور الوقت، تغيّرت اللغة السياسية، وعندما تتغير اللغة في الحروب فهذا يعني عادة أن الأهداف الأولى سقطت، وأن هناك أهدافًا جديدة يجري البحث عنها لتبرير استمرار الحرب أو لتبرير التراجع عنها. وهنا تحديدًا تحوّل العنوان من إسقاط النظام وتدمير إيران إلى عنوان جديد اسمه حرية الملاحة، وكأن الحرب الطويلة بكل ما فيها من دمار ودماء انتهت عند هذا الشعار.وليعلن لاحقًا الرئيس الأمريكي ترامب عن مفاوضات واتفاقات قد تحصل لإعادة فتح المضيق .
عندما بدأت الحرب، كانت العناوين كبيرة جدًا تدمير إيران، إسقاط النظام، إنهاء البرنامج الصاروخي، إنهاء النفوذ في المنطقة، كسر حلفاء طهران في المنطقة ، وحماية إسرائيل، وإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. هذه كانت الأهداف الحقيقية التي قيلت أحيانًا بشكل مباشر، وأحيانًا بشكل غير مباشر. لكن ما الذي حدث بعد كل هذا الدمار وكل هذه الكلفة؟ هل سقطت إيران؟ هل انتهى النظام؟ هل توقفت الصواريخ؟ هل انتهى النفوذ الإيراني في المنطقة؟ ما حدث فعليًا كان العكس تمامًا، فالحرب التي كان هدفها إنهاء إيران انتهت بتكريسها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، والحرب التي كان هدفها حماية إسرائيل انتهت بإدخال إسرائيل في أخطر مرحلة أمنية في تاريخها.
المفارقة الكبرى أن الحرب التي كان أحد أهدافها كسر إيران انتهت بتعزيز دورها. فالمضيق الذي كان مفتوحًا للجميع قبل الحرب، أصبح اليوم ورقة قوة بيد إيران وحدها، ليس لأنها أغلقته، بل لأنها أثبتت أنها قادرة على تهديده متى تريد، وهذه بحد ذاتها قوة استراتيجية هائلة. بمعنى آخر، هم ذهبوا إلى الحرب لكي يمنعوا إيران من السيطرة، فعادوا من الحرب وإيران تملك ورقة أهم وأخطر.
حتى على مستوى القيادات، كانت الضربات التي وُجّهت لإيران ومحور المقاومة تُقدَّم على أنها ضربات قاصمة، لكن التجربة أثبتت أن هذه التنظيمات لا تعمل بعقلية الفرد، بل بعقلية المؤسسة. قُتل قادة يعرفهم الجميع، فجاء قادة لا يعرفهم أحد، قُتل قادة كبار، فجاء جيل أصغر وأكثر تشددًا وأكثر حذرًا وأكثر خبرة في الحروب الحديثة. وهنا وقعت المفاجأة، لأن من ظنّ أنه عندما يقتل القادة ينتهي التنظيم، اكتشف أنه يواجه جيلًا جديدًا أكثر صلابة.
عسكريًا، دُفعت مليارات الدولارات على حرب كان يفترض أن تُدمَّر فيها المنصات الصاروخية، لكن الذي حدث أن هذه المنصات بقيت، بل وتزايدت، واستمر إطلاق الصواريخ حتى اللحظة الأخيرة. وكان الهدف تدمير إيران، لكن الذي حدث أن القواعد الأمريكية في المنطقة تعرضت لضربات، وأن الوجود الأمريكي نفسه أصبح موضع سؤال كبير: ماذا فعلت هذه القواعد؟ هل حمت أحدًا؟ هل منعت الحرب؟ هل منعت الصواريخ؟ أم أنها تحولت إلى أهداف؟
أما إسرائيل، التي كان يفترض أن تخرج من هذه الحرب أكثر أمنًا، فقد خرجت وهي مصدومة من حجم النيران التي سقطت عليها، ومصدومة من أن القبة الصاروخية التي أُنفقت عليها مليارات الدولارات لم تستطع أن تمنع الصواريخ بشكل كامل، ومصدومة أكثر من عودة حزب الله بقوة أكبر مما كان عليه في كل المراحل السابقة. فالمشكلة بالنسبة لإسرائيل لم تكن فقط في الصواريخ، بل في عجز الجيش عن التثبيت في الجنوب اللبناني ،فكلما تقدم عاد وتراجع، وكلما حاول تثبيت موقع عاد وسحب قتلاه، وهذا بحد ذاته مؤشر خطير في الحروب البرية.
استخباراتيًا، ظهرت مفارقة كبيرة أيضًا. الاغتيالات التي نجحت كانت في معظمها لأشخاص يعيشون في بيوتهم أو يعملون في مكاتبهم بشكل علني، وهذا يعني أن العمل الاستخباراتي كان يعتمد على الرصد أكثر مما يعتمد على الاختراق الحقيقي للبنية التنظيمية. والدليل الأهم على الفشل الاستخباراتي لم يكن في الاغتيالات، بل في الفشل في تحريك الشارع الإيراني ضد النظام. فكل التوقعات كانت تقول إن الحرب ستؤدي إلى انفجار داخلي في إيران، لكن الذي حدث كان العكس تمامًا، حيث حدث تضامن واسع مع الدولة، لأن الشعوب عادة تلتف حول دولها في الحروب الخارجية.
في لبنان والعراق وإيران، ظهر ما يمكن وصفه ببيئة صلبة جدًا، بيئة تحملت الحرب والاغتيالات والضغوط الاقتصادية والإعلامية، ومع ذلك لم تنهار، بل بقيت متماسكة، وهذا العامل تحديدًا لم يكن محسوبًا بدقة قبل الحرب، لأن الحروب لا تُحسم فقط بالسلاح، بل تُحسم أيضًا بقدرة المجتمعات على التحمل.
كل ذلك يعيدنا إلى الفكرة الأساسية: كيف تحوّل الهدف من إسقاط النظام إلى حرية الملاحة؟ الجواب ببساطة هو أن الأهداف الكبيرة عندما تفشل، يتم استبدالها بأهداف أصغر يمكن إعلان النصر عندها. في السياسة، كما في الحروب، أحيانًا لا يكون الهدف هو الانتصار الكامل، بل إيجاد مخرج مقبول من الحرب. ولذلك قد يكون عنوان نهاية هذه الحرب هو “حرية الملاحة”، لكن العنوان الحقيقي هو أن ميزان القوى في المنطقة تغيّر، وأن كلفة الحرب كانت أكبر من نتائجها، وأن ما بعد هذه الحرب لن يكون كما قبلها.
في الحروب، لا يُكتب التاريخ عند بداية الصواريخ، بل عند نهاية النتائج. وهذه الحرب، مهما قيل فيها، لن يُعرف من ربحها في البيانات العسكرية، بل سيُعرف من ربحها عندما تبدأ مرحلة ما بعد الحرب، لأن الحروب الكبرى لا تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار، بل عندما يبدأ ترتيب العالم الذي يأتي بعدها.