اوراق مختارة

جزيرة «خارك» في مرمى الحرب.. سيناريوهات الغزو الأميركي ومخاطر الاستنزاف في الخليج

post-img

محمد مرعي/جريدة الأخبار

لا شيء يشير إلى قرب انتهاء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، على الأقل هذا ما تؤكده التصرفات الأميركية في منطقة الخليج. اعتبارًا من اليوم، تبدأ طلائع قوات البحرية الأميركية «المارينز» بالوصول إلى المنطقة قادمةً من قاعدتها في جزيرة أوكيناوا اليابانية، تحديدًا الوحدة 31 المؤلفة من 2500 فرد، والمتخصصة في الابرار والسيطرة على الجزر والشواطئ. وإلى جانبها تستعد الولايات المتحدة لنشر الوحدة 82 من المظليين المحمولين جوًا المؤلفة من حوالي 10 آلاف مظلي.

هذه الخطوات تؤكّد أنّ التوجه ليس لعقد الهدنة، ولا للتوصل إلى وقف لإطلاق النار، بل إما لفتح مضيق هرمز بالقوة، أو السيطرة على أراض إيرانية لاكتساب نقطة قوة تسمح للولايات المتحدة بالضغط على إيران لفتح المضيق أمام الملاحة وتحصيل تنازلات سياسية. والأرض الإيرانية الأكثر ترشيحًا للتعرض للغزو الأميركي هي «جزيرة خارك».

كيف تعاطى الخبراء الأميركيون ووسائل الإعلام في الولايات المتحدة مع هذه التحشيدات؟ وكيف يتوقعون أن تجري أي عملية محتلمة لاحتلال الجزيرة الإيرانية؟

ما أهمية جزيرة خارك؟

تُعدّ جزيرة خارك موقعًا لمنشآت تُعالج حوالي 90٪ من صادرات إيران من النفط الخام، وهي جزيرة صغيرة الحجم لا تتعدى مساحتها الـ20 كيلومترًا مربعًا، ويبلغ عدد سكانها 20 ألفًا معظمهم من العاملين في قطاع النفط. توفّر المياه العميقة المحيطة بها الشروط اللازمة لرسو ناقلات النفط الكبيرة، على عكس الأعماق الضحلة على طول بقية الساحل الإيراني.

تعتمد إيران بشكل كبير على جزيرة خارك لتصدير نفطها بحرًا منذ ستينيات القرن الماضي، وهي تضم مرافق تخزين وخطوط أنابيب مرتبطة ببعض أكبر حقول النفط والغاز في إيران. وأي تعطيل لبنيتها التحتية من شأنه أن يضرّ بإيران ويؤثر أيضًا في سوق الطاقة العالمية.

كانت آخر مرة تعرّضت فيها الجزيرة لقصف كبير خلال الحرب العراقية- الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. فقد شنّ الجيش العراقي حينها غارات مكثفة على البنية التحتية النفطية في الجزيرة، ما تسبب في أضرار واسعة. لكن إيران تمكنت من إعادة بناء تلك المنشآت.

من أين الطريق إلى خارك؟

تقع جزيرة خارك شمال الخليج على بعد حوالى 30 كلم من الشواطئ الإيرانية و225 كلم من الشواطئ الكويتية. الوصول إلى الجزيرة ممكن عبر طريقين: بحرًا عبر إنزال يشترط نجاح سفن أميركية باقتحام مضيق هرمز، أو عبر إنزالات جوية إنطلاقًا من الكويت، التي يرجح عدد لا بأس به من المحللين والجنرالات الأميركيين السابقين انطلاق العملية من أراضيها.

في كلتا الحالين فإن العملية ستكون محفوفة بمخاطر كبيرة، إلا أن اقتحام مضيق هرمز سيكون عملية صعبة للغاية، ولا يمكن تنفيذها اعتمادًا على سفينة أميركية واثنتين مهما بلغت جوزيتهما القتالية. ولهذا السبب، قد يذهب الجيش الأميركي إلى خيار الإنزال الجوي انطلاقًا من الكويت.

في هذا السياق، يقول القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)، جوزيف فوتيل، في مقابلة مع موقع «TWZ» العسكري الأميركي: «الملاحظة التي لدي بشأن جزيرة خارك هي أنني لست متأكدًا من أهمية نشر قوات هناك». وأضاف «هي تبعد نحو 20 ميلًا فقط عن سواحل إيران، ما يعني أنك ستكون بالتأكيد تحت تهديد أنظمتهم التسليحية. قواتنا ستكون في وضع شديد الهشاشة هناك. ولا أرى أن ذلك سيمنحنا أي ميزة تكتيكية خاصة لا نمتلكها بالفعل، أو لا يمكننا الحصول عليها في موقع آخر بعيد، حيث لدينا قواعد قائمة وأمور أخرى من هذا القبيل».

تابع فوتيل «سنكون عرضة للخطر. فعندما تبدأ بنشر قوات على الأرض... فهذا يعني أنك ستكون مضطرًا لرعايتهم، وإمدادهم، وتنفيذ عمليات إخلاء طبي لهم، والقيام بكل ما يلزم للإبقاء عليهم في مواقعهم لأي مدة كانت. وهذا يتطلب وجود سلسلة إمداد لوجستية، وهذه السلسلة نفسها تحتاج في مرحلة ما إلى الحماية أيضًا. لذا فهذه ليست اعتبارات بسيطة، وغالبًا ما تتحول إلى عمليات أكبر بكثير».

توقع أنه «في جزيرة صغيرة مثل خارك، ستحتاج إلى قوة بحجم كتيبة من مشاة البحرية أو الجنود، ويمكنهم على الأرجح القيام بهذه المهمة. أي أنك تتحدث عن نحو 800 إلى 1000 جندي تقريبًا، وربما أقل قليلًا، لكن على الأرجح ليس أكثر بكثير من ذلك».

صعوبات قد تواجهها القوات الأميركية

صحيفة «ذي أتلانتيك» الأميركية تحدثت أيضًا عن سيناريو مواجهة محتملة في خارك. ولأنه «ليس هناك من خطة عسكرية تصمد عند مواجهة العدو» كما يقول المفكر العسكري البروسي هيلموت فون مولتكه، فقد عددت «ذي أتلانتيك» المخاطر التي يمكن للقوات الأميركية أن تتعرض لها خلال محاولتها احتلال الجزيرة الإيرانية، وكيف يمكن أن تصعّب من مهمة الجنود الأميركيين.

اعتبرت الصحيفة أنه يمكن للإيرانيين أن يجعلوا السيطرة على جزيرة خارك أمرًا بالغ الصعوبة، قائلةً «تقع خارك على مسافة بعيدة نحو 140 ميلًا من الأصول الأميركية في مدينة الكويت، لكنها قريبة جدًا من الساحل الإيراني. وستكون سفن الإمداد عرضة ليس فقط لنيران الصواريخ المجنّحة (كروز)، بل أيضًا لما يُعرف بـ«أسطول البعوض» الإيراني، الذي يضم مسيّرات روبوتية، يُطلق عليها أحيانًا اسم الزوارق غير المأهولة (وقد استخدمت أوكرانيا أجهزة مشابهة لمحاصرة الأسطول الروسي في البحر الأسود في نوفوروسيسك)».

كذلك، لفتت «ذي أتلانتيك» إلى أن مهام الإمداد جوًا ستكون محفوفة بالمخاطر. فبُعد خارك عن الكويت يعني أن الدفاعات الجوية الأميركية هناك ستقتصر على الأرجح على منظومات «مانبادز» المحمولة على الكتف التي قد يحملها مشاة البحرية ويقومون بدوريات بها، إضافة إلى طلعات مقاتلات أميركية. واعتبرت الصحيفة أنه يمكن لهذه الوسائل اعتراض الطائرات المسيّرة، لكنها لا تستطيع التصدي للصواريخ الباليستية. ويمكن لإيران استخدام صواريخها الباليستية لإحداث حُفر في مدرج المطار في خارك، ما يمنع طائرات الشحن الأميركية من الهبوط هناك.

أما التهديد الأخير، وفقًا للصحيفة، فهو ما تشير إليه التجارب في أوكرانيا. فقد استخدمت روسيا ذخائر جوّالة، وهي طائرات مسيّرة تحلّق فوق منطقة ما وتبحث عن أهداف قبل أن تنقضّ لتدميرها، بفعالية كبيرة. وتُعرف هذه باسم «لانسيت»، وتكلفتها منخفضة نسبيًا، على غرار طائرات «شاهد» المسيّرة، ويمكن لإيران استخدامها فوق خارك لرصد سفن وطائرات الإمداد أثناء عمليات التحميل أو التفريغ، وكذلك المركبات والقوات. وفي نيسان 2024، كشفت إيران عن نسختها الخاصة من «لانسِت».

وخلص التقرير إلى أن الحرب قد تتحول إلى حرب استنزاف مرهقة تشبه إلى حد كبير ساحة المعركة في أوكرانيا، بدلًا من الحملات السريعة التي اعتاد عليها الأميركيون، مضيفًا أن الخسائر البشرية على الأرض وتدمير البنية التحتية النفطية في مختلف أنحاء المنطقة سيولّدان ضغطًا على ترامب للانسحاب؛ غير أن سحب القوات في ظل تهديد الذخائر الجوّالة يُعدّ أمرًا خطيرًا، كما أن الطائرات الموجودة على الأرض تُعد أهدافًا مثالية لهذه الطائرات المسيّرة التي تحلّق في الأجواء.

تحضيرات إيرانية

في السياق نفسه، يبدو أن إيران تعزز دفاعاتها على جزيرة خارك، حيث عمدت إيران، وفقًا لما نقلته شبكة «سي أن أن» عن أشخاص مطّلعين على تقارير الاستخبارات الأميركية، إلى نصب كمائن ونقل مزيد من الجنود وأنظمة الدفاع الجوي إلى الجزيرة.

وأضافت مصادر «سي أن أن» أن الجزيرة تتمتع بدفاعات متعددة الطبقات، وأن الإيرانيين نقلوا إليها مؤخرًا مزيدًا من أنظمة الصواريخ الموجّهة أرض–جو المحمولة على الكتف «مانبادز».

كما أشارت إلى أن إيران زرعت ألغامًا مختلفة، بما في ذلك ألغام مضادة للأفراد وأخرى مضادة للدروع، في أنحاء الجزيرة، بما في ذلك على طول الشاطئ حيث قد تنفّذ القوات الأميركية إنزالًا برمائيًا في حال قرر ترامب المضيّ قدمًا في عملية برية.

وأضاف المصدر أن بعض حلفاء الرئيس يثيرون تساؤلات جدية حول جدوى تنفيذ مثل هذه العملية، إذ إن السيطرة على الجزيرة، حتى لو نجحت، لن تحل بمفردها المشكلات المرتبطة بمضيق هرمز ولا قبضة إيران على سوق الطاقة العالمية.

جغرافيا خارك

تبلغ مساحة الجزيرة حواي 20 كيلومتر مربعًا، وهي ليست أكبر الجزر الإيرانية من ناحية المساحة ولكنّها الأهم اقتصاديًا. خارك مأهولة، وعدد سكانها، وفقًا لتعداد عام 2016 نحو 8 آلاف نسمة. أهميتها الاستثنائية تكمن في استخدامها كمحطة رئيسية لتصدير النفط الإيراني. لذلك فهي جزيرة صناعية-نفطية بامتياز، وليست جزيرة سكنية أو سياحية بالمعنى التقليدي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد