راجانا حمية (صحيفة الأخبار)
في الحرب كما في السلم، لا تدخل منطقة بعلبك - الهرمل في حسابات السلطة. وكما في الحرب السابقة، يجد أبناء هذه المنطقة أنفسهم في أرض «مقطوعة» في ظلّ تخلّي الدولة عن واجباتها. صحيح أنّ الظروف الميدانية، حتى اليوم على الأقل، تختلف عمّا كانت عليه في الحرب الماضية، إلا أنّ ذلك لم يحل دون نزوح كثيرين، وإن كان النزوح لا يزال «ضمن البيوت» وليس إلى مراكز إيواء، ما صعّب الأمور أكثر، في ظل غياب خطة استجابة تراعي النزوح خارج مراكز الإيواء الرسمية. ولكن، حتى في مراكز الإيواء نفسها لم تكن الاستجابة بمستوى تطلّعات الأهالي.
لم تُصنَّف مدينة الهرمل ولا قضاؤها منطقة نزوح، رغم كونها من المناطق المحفوفة بمخاطر الحرب، سواء لاحتمال امتداد الضربات إليها أو لتحرّك المجموعات الإرهابية عند حدودها. هكذا بقيت خارج خارطة النزوح الرسمية رغم أن المدينة تستقبل، بلا اعتراف رسمي، نازحين بمستويات متعدّدة.
ويوضح رئيس اتحاد بلديات الهرمل عبد الغني بليبل أن «لدينا النازحون السوريون واللبنانيون الذي نزحوا بعد سقوط النظام في سوريا، وقد وصل عددهم الى حوالي ١٠٠ ألف. وبعدما توزع عدد كبير منهم بين الجنوب والضاحية ومناطق بقاعية، وبقي نحو 10 آلاف، عاد كثيرون بعد اندلاع الحرب». وأضاف: «ضمن القضاء هناك 180 عائلة نازحة من الجنوب والضاحية ومناطق مهددة في البقاع». كما أن هناك نازحين من اهالي قضاء الهرمل ممن يسكنون بشكل دائم في الضاحية وبيروت او حتى في الجنوب، وأكثر هؤلاء لا يمتلكون منازل ويسكنون لدى أقارب أو معارف، و«يتجاوز عدد هؤلاء الـ 320 عائلة، وهو يزيد يومياً».
ويلفت بليبل الى أن «تأرجح واقع الهرمل بين الامان وعدم الاطمئنان إلى ما يمكن أن يحدث، أدى إلى شلل اقتصادي وتعطل عمل كثيرين في مدينة يعتاش سكانها من العمالة والتجاره الداخلية والزراعة وغيرها، ولذلك هناك حاجة لدعم صمود حتى غير النازحين».
مع ذلك، لم يحظَ هذا النزوح باهتمام يُذكر، و«لم يسأل عن النازحين أحد، لا دولة ولا وزارة شؤون ولا غيرها»، بحسب صفاء الهق، منسّقة جمعية السلامة البيئية والاجتماعية المستدامة (SESSA)، وهو ما ينسحب على معظم قرى وبلديات بعلبك - الهرمل.
أنشأت الدولة في محافظة بعلبك - الهرمل 20 مركزاً رسمياً للإيواء، تتركّز بمعظمها في شمال بعلبك ضمن مناطق تُعدّ نسبياً آمنة (القاع، دير الأحمر، شليفا، عرسال، رأس بعلبك، الفاكهة وبعلبك). وتضم هذه المراكز نحو 3 آلاف نازح، وهو رقم لا يعكس حجم النزوح الفعلي، إذ يُقدّر عدد النازحين في المنازل بما لا يقلّ عن 35 ألفاً. وفي غياب اهتمام الجهات المعنية، من وحدة إدارة مخاطر الكوارث إلى وزارة الشؤون الاجتماعية، تفوق الأزمة قدرة البلديات والناس.
فنحو 90% من النازحين يقيمون في منازل، حيث «يستضيف الناس بعضهم بعضاً»، وفق رئيس اتحاد بلديات شمال بعلبك محمد مطر، ما يجعل العبء الأكبر على الأسر المستضيفة. ومع توقّف الأشغال وانقطاع مصادر الدخل، «تتفاقم الحاجة إلى دعم الصمود»، كما يشير بليبل. ويضاف إلى هؤلاء «160 عائلة فلسطينية لجأت من مخيمات الجنوب وغيرها إلى مخيم الجليل» في بعلبك، بحسب رئيس جمعية «عضد» عيسى عيسى.
وفيما بدأت البلديات إعداد جداول تفصيلية بأعداد النازحين، دفع غياب الدولة اتحادات البلديات، بالتعاون مع «العمل البلدي» في حزب الله وحركة أمل، إلى المطالبة بإدراج المنطقة ضمن أي خطة إنقاذ والاستعداد للأسوأ. وفيما أعلن المسؤول المركزي لمكتب الشؤون البلدية والاختيارية في حركة أمل، بسام طليس، «ضمّ بعلبك ــ الهرمل والبقاع إلى خدمات مجلس الجنوب في ما يتعلق بالنزوح الداخلي (...)»، تلقّفت البلديات الأمر بحذر، خصوصاً أن تجربة الحرب السابقة لم تكن مشجّعة، إذ لم تنل المنطقة من المساعدات إلا ما كان يفيض عن حاجة العاصمة!
ولأن «لا فول قبل أن يصبح بالمكيول»، ينتظر رؤساء البلديات التنفيذ لا الوعود، استناداً إلى تجارب سابقة، وإلى ما يجري حالياً في مراكز الإيواء مع تزايد الشكاوى من الإدارة والتوزيع. ويتمحور أبرز الاعتراضات حول «استفراد» وزارة الشؤون الاجتماعية، و«تهميش دور الجمعيات الأهلية الداعمة لمراكز الإيواء»، وفق رئيس جمعية «SESSA» علي الموسوي، وهو ما ينعكس «صفر مساعدات على الأرض»، بسبب حصر الوزارة أي وصول إلى المراكز بها، أو بـ«جماعتها». ففي وقت «يجري التسكير على كثير من الجمعيات، يُفسح المجال أمام جمعيات للعمل باسم وزارة الشؤون كمؤسسة مخزومي مثلاً، ما يجعل العملية سياسية أكثر مما هي إغاثية»، مع شبهات «توظيف سياسي» بعد الإعلان عن سعي الوزارة إلى توظيف عاملين جدد لإدارة مراكز الإيواء.
ونتج من هذه «الحصرية» إرباك و«عدم وصول المساعدات نهائياً إلى بعض مراكز الإيواء والتأخر في تسليمها إلى البعض الآخر»، إضافة إلى غياب معايير الشفافية، إذ «نادراً ما يصدر تقرير عن التوزيع اليومي، ما يجعل من الصعب إجراء مقارنة بين ما وصل وما وُزّع».
هذا الواقع لم ينعكس فقط على حجم المساعدات، بل أيضاً على جاهزية المراكز، إذ إن «بعض هذه المراكز ليست مُهيَّأة لاستقبال النازحين ولم يُعمل على جعلها بيئة آمنة للنزوح. فهناك مراكز تحتاج إلى مياه وأخرى تحتاج إلى كهرباء، فيما الأزمة الكبرى في كل المراكز تبقى في صيانة المرافق الصحية.