جهاد نافع (صحيفة الديار)
لا يمكن وصف واقع الحال في الشمال الا بالفوضى .. فوضى على مختلف الاصعدة الامنية والمعيشية والاقتصادية، سواء في طرابلس او في عكار او بقية المناطق الشمالية، وكل ذلك يعتبر انعكاسا لتداعيات العدوان الصهيوني على لبنان ونتائجه ، التي لم تعد محصورة بحرب التدمير الصهيوني المتواصل في الجنوب والضاحية والبقاع.
ما يحصل ان الشمال من طرابلس الى عكار والمنية بات محاصرا بجملة ازمات معيشية واجتماعية وامنية، ابرزها وربما اخطرها، ازمة الامن الصحي المتمثلة بملامح شح في الادوية، حيث اعرب عدد من الصيادلة الشماليين عن مخاوف لديهم من فقدان للادوية، خاصة ادوية الامراض المزمنة، وقد لفت بعض الصيادلة الى ان طلبياتهم باتت تتأخر، واذا وصلت فانها تصل بكميات محدودة ، بما لا يفي حاجات المواطنين. ويخشى الصيادلة من تفاقم الازمة في الايام المقبلة.
وبرأي احد الصيادلة الى ان مرد هذه الازمة يعود الى:
- اولا: ان مصانع ومخازن ادوية في الضاحية والجنوب تعرضت للقصف الصهيوني المدمر.
- ثانيا: صعوبات في نقل الادوية الى الشمال، حيث المخاطر تحيط بشاحنات النقل.
- ثالثا: انخفاض حركة الطيران والنقل عبر مطار بيروت.
اما الازمة الثانية التي بدأت تتفاقم في الشمال فهي انتعاش لسوق سوداء على صعيد المحروقات والسلع الاساسية والتفلت في الاسعار، بغياب كلي لوزارة الاقتصاد والرقابة الرسمية.
وبدا واضحا ان تجارا عمدوا الى اخفاء كميات من المحروقات، خاصة مادة المازوت، واللجوء الى بيعها باسعار مرتفعة، انعكست على فواتير اشتراك الكهرباء بما يفوق قدرة المواطنين، الذين يرزحون تحت اعباء اسعار مرتفعة للمواد والسلع الاساسية والغذائية المتصاعدة يوميا دون رقابة، وفي ظل رواتب متدنية غير كافية على تغطية فواتير الكهرباء و"الانترنت" والنقل وايجار المنازل، بينما تتجاهل الحكومة وعودها بصرف الرواتب الستة، بل ولجأت الى التأخر في صرف الرواتب، كأن معاناة الناس ليست اولوية بحجة العدوان الصهيوني.
لا تقتصر المعاناة على مادة المازوت، فسعر قارورة الغاز بات يشكل عبئا ثقيلا على العائلات بحيث تشهد ارتفاعا يوميا غير ملتزم بالتسعيرة الرسمية، وعمد البعض في الشمال الى اخفاء القوارير، بانتظار اسعار جديدة، وقد بات هاجس التجار جني ارباح جنونية، استغلالا للاوضاع السائدة وغير مكترثين باوجاع وآلام الناس. وقد شكا مواطنون من ان الحصول على قارورة غاز بات حلما ، وبسعر بلغ المليونين وستمئة الف ليرة.
اما اسعار المواد الغذائية والخضر فان اسعارها باتت متصاعدة، وكل مخزن تجاري او "سوبرماركت" يضع تسعيرته المتصاعدة يوميا، نتيجة غياب وزارة الاقتصاد والرقابة الرسمية، حيث التفلت والفوضى ينال من المواطنين .. حتى ربطة الخبز التي بلغ سعرها تسعين الف ليرة، باتت تشكل قلقا لدى عائلات تحتاج في اليوم الواحد الى اكثر من اربعة ربطات، في وقت ان الرواتب تعجز عن تغطية نفقات الخبز، حتى قال احدهم وهو يحمل ربطات الخبز: هل نحن على ابواب مجاعة؟ اين الدولة اللبنانية؟ واين الحكومة ؟ ...
اما على صعيد الامن وتفلت السلاح، ففي كل يوم اكثر من حادثة سلب ونشل في الاسواق، او سرقة منازل ومحلات تجارية. وفي كل يوم اشكال امني، وسقوط ضحايا وجرحى، نتيجة السلاح المتفلت والرصاص العشوائي، وهذا الحجم من الحوادث الامنية المنتشرة بين طرابلس والضنية والمنية وعكار، بدأ يبث القلق والذعر في اوساط المواطنين، نتيجة الفوضى التي تستشري، خاصة في شوارع طرابلس المزدحمة، مما يطرح علامات استفهام لدى الاوساط الشعبية عن غياب اجهزة الدولة الرقابية والامنية، التي يفترض بها ضبط المناطق وتحصينها وحمايتها.
علما ان مصادر اشارت الى ان الاجهزة الامنية مستنفرة، وتعمل ضمن قدراتها المتاحة على ضبط الاوضاع، الا ان الازمات المعيشية والاقتصادية تضيق الخناق حول رقاب الناس، بغياب رسمي وتجاهل حكومي لما يعانيه الناس على كل المستويات.