تكتسب قراءة غسان كنفاني اليوم أبعادًا جديدة، في وقت أعادت فيه الحرب على غزة في خريف 2023 تشكيل الخطاب الغربي حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مع تغطيات إعلامية أكثر نقدًا للسياسات الإسرائيلية وإعادة النظر في الخطاب الذي كرّس سابقًا الرواية الإسرائيلية. في هذا السياق، تأتي النسخة الإنكليزية الصادرة عن دار EBB في أكسفورد من كتابه المرجعي "عن الأدب الصهيوني"، لتقدّم للقراء غير العرب التحليل النقدي المبكر الذي قدّمه كنفاني قبل أكثر من خمسة عقود، موضّحًا العلاقة بين الأدب والسلطة، والنصوص الأدبية والأيديولوجيا.
ينتقل كنفاني في كتابه إلى قلب الرواية الصهيونية، محلّلًا الإنتاج الروائي الذي كتب دعمًا للمشروع الاستيطاني، ليكشف كيف صيغت الأساطير التي أسهمت في تبرير الهيمنة الصهيونية على فلسطين. يستند كنفاني في تحليله إلى أعمال كتّاب مثل جورج إليوت وآرثر كوستلر ومارتن بول، وأعمال الرواية الصهيونية المبكرة، حيث يبرز كيف أن الأدب لم يكن نتاجًا جماليًا محايدًا، وإنما أداة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية والثقافية للاستيطان. يبيّن تطوّر تمثيلات الشخصيات اليهودية، بدءًا من البطل الديني التقليدي مرورًا بالشخصيات التجارية والمجتمعية، وصولًا إلى البطل السياسي المتفوق الذي يعكس القوة الأخلاقية والسياسية المطلقة، في حين يتم تهميش الشخصية الفلسطينية وتقدّم غالبًا كخلفية صامتة للأحداث.
يعتمد الكتاب منهجًا نقديًا يجمع بين السردية المادية والتحليل التاريخي، حيث يربط النصوص الأدبية بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أنتجتها. ويوضح كنفاني كيف تم استخدام الرموز التاريخية والأسطورية لإضفاء شرعية على التوسع الاستيطاني، مثل استحضار شخصية اليهودي التاريخي كبطل أخلاقي وسياسي، واستثمار أساطير العودة إلى أرض الميعاد، وإعادة كتابة التاريخ الفلسطيني بطريقة تقلّل من قيمته الوطنية والشرعية. وبهذا الأسلوب، يبرز الأدب الصهيوني كأداة ضمن آلية الهيمنة الإمبريالية الغربية على فلسطين وليس كنتاج أدبي مستقل أو محايد.
يتجاوز كنفاني في كتابه تحليل الأدب الصهيوني إلى النقد الذاتي العربي، مؤكدًا أن الالتزام الأدبي يشمل الابتكار والتجريب والمجازفة في اللغة والبنية، فضلا عن التعبير السياسي، بحيث يتحوّل الأدب إلى أداةٍ للتأمل النقدي والتحليل الاجتماعي والسياسي. هذا المنهج يمكّنه من قراءة الأدب الصهيوني بوعي عميق دون تبنيه، كما يسهم في إعادة تشكيل وعي العرب تجاه أنفسهم والصراع مع الاحتلال.
النسخة الإنكليزية، مع مقدمة أكاديمية كتبها ستيفن سلايطة وآني كنفاني، تضيف بعدًا تاريخيًا وثقافيًا، وتبرز استمرار راهنية الكتاب في فهم العلاقة بين الأدب والسياسة، وفي الكشف عن كيفية استغلال النصوص الأدبية للأيديولوجيا.
في ضوء التحولات الأخيرة في الوعي الغربي، تصير قراءة كنفاني اليوم وسيلة لفهم كيف تتم إعادة صياغة السرديات، وكيف يمكن للأدب أن يفضح الأيديولوجيا ويكشف أساليب الهيمنة الثقافية والسياسية، وهو ما يجعل التحليل النقدي الذي قدّمه الكتاب أداةً فعّالة للباحثين والقراء غير العرب على حد سواء.