أوراق اجتماعية

هل هناك حدود للغباء؟

post-img

فادي عبود (صحيفة الجمهورية)

نحن لا ندفع اليوم ثمن خطأ واحد، بل حصيلة تراكم طويل من الأخطاء التي سمحنا لها أن تكبر وتتعقّد، من دون أن نواجهها بحلول جذرية أو حتى بأسئلة صريحة. المشكلة لم تكن يوماً في غياب الفرص، بل في غياب الجرأة على الاعتراف بالحقيقة.

عبر التاريخ وتحت وطأة الاحتلالات والتدخّلات الخارجية، ومع وجود حكّام غرباء يعملون لمصلحة بلادهم وينظرون إلى مصالحنا كقضية ثانوية، كان من الطبيعي أن نحاول سرقة أموال الدولة الحاكمة، إذ إنّ سرقة السلطة الغريبة كانت تُعتبر أمراً مستحباً. أمّا بعد الاستقلال، فأصبحت أموال السلطة الحاكمة هي أموالنا، وعند سرقتها نكون نسرق أنفسنا، ولكننا لم نفهم هذا التغيير، بل استمرينا بالنظر إلى السلطة كعدو يُستحب أن نسرقه..

ومع الأسف، اعتبر حكّامنا أيضاً أنّ وجودهم في الحكم هو فرصة ليغتنوا بدلاً من ان يهتموا بخدمة المجتمع وبناء اقتصاد منتج. وغاب عنهم انّ المفروض ان يكونوا في خدمة الشعب. ونسوا أنّ العمل في الشأن العام ليس إرثاً او وظيفة بل هو يُسمّى «خدمة عامة» (Public Service). ونتيجة لذلك، فإنّ كل فئة مرّت في الحكم خرج أغلب أعضائها أغنى بأضعاف مما كانوا عليه. ومجتمعنا تقبّل ذلك وما زال يتقبّله حتى الآن.

وخلافاً لما يظن البعض، فشل الاقتصاد لا يُحلّ بالسياسة، بل على العكس، هو الذي يدمّر السياسة. فعندما يفتقر الشعب، يصبح عرضةً لأي جهة تريد أن تستعمله ضدّ بلاده، ولا عجب في ذلك، فأولوية كل إنسان هي تأمين معيشته ومعيشة عائلته. نكرّر إذا افتقر الإنسان سيبحث عن معيشته ولو ضدّ بلاده. هذا الفقر والفساد والغباء حولتنا إلى مجتمعاتٍ ولاؤها لغرباء متنازعين، فأدخلنا أنفسنا في هذه النزاعات التي هي أكبر من بلدنا و«نحنا مش قدّا».

إذا أردنا ألّا تتفكك بلادنا، علينا أن نغيّر عقليتنا بالمطلق وبالعمق، وأن نواجه مشاكلنا الكثيرة بوضوح وأهمها الاقتصاد. مثلاً، سأعطي مثلين لمشاكل نتجاهلها، أولاً، قضية اللاجئين الفلسطينيين: عندما تبيّن للجميع أنّهم لن يتمكنوا من العودة في تاريخ محدّد، كان علينا أن ندرس الموضوع ونقول للعالم إننا غير قادرين على توطينهم، ونصرّ على إيجاد حل لمشكلتهم خارج بلادنا. «شو كنا ناطرين؟» بالعكس، وافقنا على اتفاقية القاهرة، الجريمة العظمى، ونحن نعلم أنّها ستتحول إلى ذريعة قوية للمتطرّفين في إسرائيل ليتصرفوا في لبنان كما يريدون.

مشكلة حيوية أخرى لم نعالجها، هي التعليم في لبنان، حيث تبيّن لنا أنّ التعليم الحكومي وقسماً من التعليم الخاص غير صالح. فبدلاً من أن نعالج الموضوع ونفهم أنّ الحكومة غير قادرة على إصلاح التعليم، حالها كحال معظم الحكومات، وبدل أن نتعلم، أن نبحث عن طرق تستعين بكل الجهات بما فيها التعليم الخاص الناجح، لنرى كيف يتمّ تعليم أجيال المستقبل، ارتأينا أنّ الحل «العبقري» هو إعطاء معلمي التعليم الرسمي بدل أقساط تعليم أولادهم في المدارس الخاصة. أليس هذا رقماً قياسياً في الغباء؟ خصوصاً أنّ التعليم مشكلة عظمى. فالمستقبل يحمل تغييرات جذرية، ولن يتمكن أي شخص من الحصول على عمل منتج إذا لم يتفوّق على ما تقوم به الآلات. هو سباق بين الشباب والذكاء الاصطناعي، ما يعني أننا بحاجة إلى علم وعلم وعلم.

هذه المشكلة تتفاقم منذ زمن طويل، وحكّامنا ومجتمعنا غافلون عنها كأنّها لم تكن. مثال صغير: قبل الذكاء الاصطناعي بعقود، في عام 1900، كان 50% من سكان الولايات المتحدة يعملون في الزراعة، وبعد سبعة أو ثمانية عقود أصبحت هذه النسبة 2%. هذا مثال لافت عن سرعة التغيير وحاجة المجتمعات إلى أن يكون لديها بُعد نظر لمعالجته. نكرّر، هناك حاجة ماسّة لتعليم وتعليم وتعليم لكل شبابنا .

علينا إذاً أن نبدأ بشكل سريع بحل مشاكلنا الاقتصادية، بالاجتهاد والعمل المتكاتف، لا بالترقيع. ونكرّر ما يجب القيام به: الشفافية لمحاربة الفساد، تحقيق مشدّد مع المصارف والمصرف المركزي، لمعرفة ما حصل في «جريمة القرن»، إعادة الأموال المنهوبة والودائع، خلق مصارف جديدة، إلغاء القوانين الضارة بالاستثمار، وخلق قوانين جديدة تشجّع على الاستثمار والإنتاجية والتصدير، وغيرها من النقاط التي تحتاج إلى تفصيل لا مجال لذكره الآن.

وكما ذكرنا، كل ذلك يحتاج إلى عمل مجتهد ومتواصل وبشكل شفاف، لنعيد الثقة في ما بيننا، ونتصرف جميعاً لمصلحة بلدنا، (هذه أمنية الغالبية الساحقة). أمّا إذا لم يحصل ذلك، فسيُفرض علينا التقسيم، وهذا أمر مكروه، (نعتقد من قبل الأكثرية الساحقة ايضاً).

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد