السيناريست الاسكتلندي لافيرتي يهاجم هوليوود بسبب قوائمها السوداء ضد داعمي غزة

post-img

تشهد الدورة التاسعة والسبعون لمهرجان كان السينمائي الدولي، التي انطلقت مؤخرا، انفجارًا سياسيًا غير مسبوق تحت أضواء الكروازيت، حيث تحول المؤتمر الصحافي الافتتاحي للجنة تحكيم المسابقة الرسمية إلى ساحة للمساءلة الأخلاقية العنيفة.

تصدر هذا المشهد السيناريست الإسكتلندي المخضرم بول لافيرتي، الذي استغل موقعه كعضو في لجنة التحكيم ليوجه انتقادات حادة وشديدة اللهجة إلى صناعة السينما في هوليوود، متهمًا إياها بإعادة إحياء القوائم السوداء ضد الفنانين الذين أعربوا عن تضامنهم مع قطاع غزة في ظل الصراع المستمر.

لافيرتي، المعروف بارتدائه الدائم للقبعات وانحيازه التاريخي للمهمشين، لم يكتفِ بنقد الصناعة، بل تجاوز ذلك إلى وصف ما يحدث في غزة بالإبادة الجماعية، مستشهدًا بالأدب الشكسبيري لوصف القادة السياسيين المعاصرين بأنهم مجانين يقودون العميان.

في تصريحات وصفت بأنها حادة، هاجم لافيرتي هوليوود متهمًا إياها بممارسة الترهيب المهني ضد الفنانين المعارضين للحرب، مؤكدًا وجود قائمة سوداء غير معلنة تضم أسماء فنانين تم تهميشهم أو التضييق عليهم مهنيًا بسبب مواقفهم الإنسانية الرافضة لقتل النساء والأطفال، وخص بالذكر النجوم سوزان ساراندون، وخافيير بارديم، ومارك روفالو. وركز بشكل خاص على الممثلة سوزان ساراندون التي واجهت تداعيات مهنية قاسية، حيث كشفت سابقًا عن طردها من وكالتها الفنية الكبرى بسبب مشاركتها في مسيرات تضامنية، مؤكدة أن العمل في الإنتاجات الكبرى أو الظهور في التلفزيون الأمريكي أصبح مستحيلًا بالنسبة لها، مما دفعها للبحث عن فرص في أفلام مستقلة في إيطاليا وإنكلترا والعمل على خشبة المسرح في لندن.

بلهجة لم تخلُ من السخرية السوداء، ربط بين الجماليات البصرية للمهرجان والواقع السياسي المر، مشيرًا إلى التناقض الصارخ في اختيار مهرجان كان لملصقه الرسمي، الذي يضم مشهدًا أيقونيًا لسوزان ساراندون من فيلم «ثيلما ولويز».

أوضح لافيرتي أن المؤسسة السينمائية العالمية تمارس نوعًا من النفاق؛ فهي تضع صورة ساراندون كرمز للتحرر والتمرد على واجهتها الرسمية، بينما تُعاقب الممثلة نفسها في الواقع، لأنها مارست هذا التمرد فعليًا خارج الشاشة. قال بتهكم: أتمنى ألا نُقصف الآن، لأننا نضع هذا الملصق في كان، وهي جملة حملت إسقاطًا سياسيًا حول العنف الذي يستهدف كل من يحاول التضامن مع الضحايا، وحول الهشاشة التي يشعر بها الفنانون حتى في أكثر الأماكن احتفاءً بالفن.

في ذروة حديثه، استدعى الأدب الكلاسيكي ليعبر عن قتامة المشهد العالمي الحالي، مقتبسًا من مسرحية «الملك لير» لعبارة تقول «إن بلاء الزمان عندما يقود المجانين العميان». استخدم هذا الاقتباس لوصف القيادة السياسية العالمية التي تقود الشعوب نحو الهاوية في ظل غياب الرؤية والضمير، مؤكدًا بصرامة أن ما يحدث في غزة ليس له اسم آخر سوى الإبادة الجماعية.

هذا التصريح شكل خروجًا صريحًا عن اللغة الدبلوماسية التي تتبناها المهرجانات الكبرى عادةً، حيث وضع السينما أمام مسؤوليتها التاريخية كفعل مقاومة ضد الصمت وتزييف الحقائق.

لم تتوقف انتقادات لافيرتي عند السياسة الدولية التقليدية، بل حذر من تركيز القوة في أيدي مليارديرات التكنولوجيا، والذين وصفهم بالإخوة التقنيين ذوي الميول اليمينية الذين يحاولون إملاء كيف نعيش حياتنا، وهو ما يتقاطع مع الرقابة على المحتوى الرقمي المتعلق بالقضايا السياسية الحساسة مثل غزة. تزامن هذا التحذير مع توقيع شركة «ميتا» عقد رعاية للمهرجان، مما أثار مخاوف بشأن استقلالية الخطاب الثقافي.

كما شاركت الممثلة ديمي مور في هذا السياق بالحديث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن الفن الحقيقي ينبع من الروح التي لا يمكن استنساخها تقنيًا، لكنها دعت إلى ضرورة حماية الفنانين من هذا الزحف التكنولوجي.

في ختام المؤتمر، أيد رئيس لجنة التحكيم، المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان – ووك، فكرة أن الفن والسياسة لا يمكن فصلهما، مؤكدًا أن العمل الفني يظل ذا قيمة طالما تم التعبير عن الموقف السياسي بجمالية فنية بعيدة عن الدعاية المباشرة.

بينما يستمر المهرجان في عرض أفلامه، ظلت أصداء كلمات لافيرتي تتردد في أروقة قصر المهرجانات، مذكرة الجميع بأن السينما إذا لم تكن قادرة على مواجهة الحقيقة في أحلك الأوقات، فإنها تفقد جوهر وجودها، وهو ما تجلى أيضًا في تأكيدات النجمة جين فوندا بأن السينما كانت دائمًا فعلًا من أفعال الانتصار للحق.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد