أوراق سياسية

حادثة طبس.. حين تاه الجنود الأميركيون في صحراء إيران

post-img

كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن حادثة طبس، خصوصًا بعد تحطم طائرات أميركية في الأراضي الإيرانية في عملية أعلن عنها مقر خاتم الأنبياء خلال محاولات الجيش الأميركي إنقاذ الطيار الذي فُقد بعد إسقاط طائرة حربية من طراز F-15، فما هي وقائع حادثة طبس؟.

في إطلالة سريعة على الوقائع التاريخية المتصلة بالحادثة، يسترجع محمد هاشمي، ابن مدينة أصفهان الإيرانية يوم 4 تشرين الثاني/ نوفمبر 1979. لقد كان يومها في صدارة الحشود التي أخذت تطوق سفارة الولايات المتحدة في العاصمة طهران، فيما مئات الطلاب مجتمعون أمام بوابتها الحديدية، رافعين صور آية الله الخميني، قائد الثورة الإيرانية، وهم يهتفون بشعارات معادية لأميركا.

في ذلك الصباح الذي انتهى باستيلاء الطلاب على السفارة الأميركية في طهران، واحتجاز 52 دبلوماسيًا وموظفًا أميركيًا أسرى، وقف هاشمي وسط زملائه، مستعرضا رسومًا وتصاميم توضيحية لمداخل السفارة ونقاط الحراسة والمباني الرئيسية داخل مجمع السفارة، بما في ذلك مكتب السفير والقنصلية. وسرعان ما تحولت تلك الرسوم إلى فعل على الأرض، إذ لم تكتف الحشود بالتطويق والهتاف، بل أخذت تبادر بالاقتحام.

بمجرد إحكام السيطرة على المكان، عطل الطلاب كاميرات المراقبة واستخدم قادتهم مكبرات الصوت لتنظيم الحركة داخل المجمع، في الوقت الذي تولى فيه هاشمي ومجموعته تقييد أيدي الموظفين الأميركيين وعصب أعينهم باستخدام قطع قماش أعدها مسبقًا، فيما سمح للموظفين الإيرانيين بالمغادرة بعد التحقق من هوياتهم، في لحظة اعتبرها الكثيرون إعلانًا رمزيًا عن نهاية مرحلة الهيمنة الأميركية على إيران.

444 يومًا لم تكن في الحسبان

غير أن جذور تلك اللحظة لا ترتبط بهؤلاء الطلاب حصرًا، ولا يمكن اختزال أسبابها في أحداث عامي 1978-1979، عندما أطاحت الثورة الإيرانية بنظام الشاه وأسست الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ولفهم ما حدث يتوجب علينا الغوص بعمق في تاريخ العلاقات الإيرانية الأميركية، تحديدًا عام 1953، حين قادت وكالة المخابرات المركزية الأميركية، بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية، انقلابًا أطاح برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق وإعادة الشاه محمد رضا بهلوي إلى العرش وتعزيز سلطته.

عندما سقط نظام الشاه مطلع عام 1979، كانت الولايات المتحدة أمام واقع استراتيجي جديد في الشرق الأوسط. فإيران، التي وُصِفَت لسنوات بأنها أحد أهم حلفاء واشنطن في المنطقة، تحوَّلت فجأة إلى دولة معادية تحت قيادة نظام ثوري. 

بناء على ذلك، لم يكن الاقتحام في بدايته عملية تهدف إلى احتلال طويل الأمد للسفارة، ولم يكن مخططًا له أن يستمر لمدة 444 يومًا كما حدث لاحقًا، بحسب ما يذكر الكاتب والمؤرخ الأميركي مارك بودن في كتابه "ضيوف آية الله"، بل خُطط له بوصفه احتجاجًا رمزيًا على قرار الولايات المتحدة استقبال الشاه. ولكن المشهد تغيَّر سريعًا بعد دخول الطلاب المبنى الإداري الرئيسي للسفارة، حيث عثروا في طابقه الثاني على أكوام من الوثائق الممزقة التي خلَّفتها آلات التقطيع، وهو ما اعتبروه دليلًا على وجود مؤامرة أميركية كانت بصدد التنفيذ.

وفقًا لبودن، تغيَّرت أهداف الاقتحام منذ تلك اللحظة، حيث تحوَّل من احتجاج رمزي إلى عملية بحث محموم عن أدلة تُثبت تدخل واشنطن في شؤون إيران ومساعيها لإجهاض الثورة. وكان هاشمي ومجموعته من الذين بدأوا بجمع القصاصات الورقية ومحاولة إعادة تركيبها، إلى جانب تعبئة الوثائق السليمة في صناديق، تمهيدًا لنقلها وفحصها خارج المبنى.

مع العمل على الوثائق، تكشَّفت طبيعتها تدريجيًا، إذ عثر الطلاب بينها على سجلات تعود لعقود مضت، وتُظهر طبيعة العلاقة الوثيقة بين السفارة الأميركية ونظام الشاه، إضافة إلى ملفات بيوغرافية لعدد من الشخصيات الإيرانية. كما كشفت بعض البرقيات التي لم تُدمَّر عن هويات ضباط في وكالة الاستخبارات المركزية يعملون تحت غطاء دبلوماسي، فضلًا عن اتصالات أجرتها السفارة مع صحفيين وشخصيات سياسية داخل إيران.

خطة معقدة في صحراء طبس

استمر احتجاز الأسرى من تشرين الثاني/ نوفمبر 1979 إلى كانون الثاني/ يناير 1981. وفي هذه الأثناء، حاولت الولايات المتحدة إطلاق سراح رعاياها باستخدام طيف واسع من الوسائل؛ بدءًا من الضغوط الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية وصولًا إلى الوساطات الدولية. غير أن هذه الجهود لم تكن تسير بمعزل عن التفكير في خيار القوة. فمنذ الأيام الأولى للأزمة أبقت واشنطن على احتمال اللجوء إلى حل عسكري مطروحًا ضمن حساباتها، تحسبًا لفشل المسارات السياسية والدبلوماسية.

طُرح خيار العمل العسكري بالفعل بعد يومين فقط من اقتحام السفارة، وتحديدًا في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 1979، حسبما يذكر بيتر باك ضابط مشاة البحرية الأميركية في دراسته المعنونة: "محاولة إنقاذ "الرهائن" في إيران"، حين اتصل مستشار الأمن القومي "زبيغنيو بريجينسكي" بوزير الحرب هارولد براون، لتوجيه هيئة الأركان المشتركة إلى البدء في إعداد خطط أولية لعملية إنقاذ محتملة.

استمرت مرحلة الإعداد والتخطيط لهذه العملية نحو خمسة أشهر، وشملت تدريبات للطواقم الجوية وسلسلة من "البروفات" الكاملة لمحاكاة ظروف المهمة الفعلية. وخلال هذه الفترة وقع الاختيار على "قوة دلتا" لتنفيذ مهمة الاقتحام داخل طهران، وهي وحدة نخبة سرية تابعة للجيش الأميركي متخصصة في مكافحة الإرهاب وعمليات تحرير "الرهائن" (الأسرى)، أنشئت عام 1977 لتكون على غرار "القوة الجوية الخاصة" (SAS) البريطانية.

توضح المصادر أن هذه التدريبات استمرت نحو خمسة أشهر ونصف شهر، بهدف اختبار مختلف السيناريوهات العملياتية، قبل أن يصدر الرئيس الأميركي كارتر الأمر النهائي بتنفيذ العملية تحت اسم "مخلب النسر"، في 24 نيسان/ أبريل 1980. وقبل هذا الموعد بنحو ثلاثة أسابيع، أرسلت بعثة استطلاع ميدانية سرية داخل إيران، قادها الرائد جون كارني؛ حيث هبط في موقع هبوط صحراوي سري في صحراء طبس، شمال شرقي إيران، بهدف أخذ عينات من التربة للتأكد من صلاحية الموقع لهبوط الطائرات الثقيلة، كما ركب أضواء تعمل بالأشعة تحت الحمراء لتكون علامات توجيه للطائرات القادمة ليلًا.

على المستوى الاستخباري، استند المخططون إلى معلومة محورية جاءت من طباخ في السفارة كان قد أطلق سراحه، إذ أكد للمخابرات الأميركية أن الرهائن محتجزون بشكل مركزي داخل مجمع السفارة، وليسوا موزعين على مواقع متعددة مجهولة. وعلى هذا الأساس، صممت عملية الإنقاذ كي تنفذ على ليلتين.

في الليلة الأولى، كان من المفترض أن تنطلق ست طائرات نقل عسكرية من طراز "سي-130" (C-130)، بالتزامن مع إقلاع ثماني مروحيات من على متن حاملة الطائرات نيميتز المتمركزة في بحر العرب. وكان من المخطط أن تلتقي الطائرات والمروحيات في نقطة الهبوط الصحراوية التي حددها كارني. وهناك، تزود المروحيات بالوقود وتنقل عناصر "قوة دلتا" من طائرات النقل إلى المروحيات، قبل أن تتجه هذه الأخيرة إلى موقع اختباء جبلي قريب من طهران، حيث يمكث أفراد القوة طوال النهار بعيدا عن الأنظار انتظارا للمرحلة التالية من العملية.

أما في الليلة الثانية، فكان يفترض نقل القوة سرًا من موقع الاختباء داخل طهران بواسطة شاحنات يوفرها عملاء للمخابرات الأميركية. وهناك، تتولى القوة اقتحام مبنى السفارة وتحرير الأسرى، بينما توفر طائرات الهجوم الأرضي "إيه سي-130″ (AC-130) غطاء جويًا للعملية.

بعد تحرير الأسرى، خطط لنقلهم بواسطة المروحيات إلى قاعدة جوية على بعد نحو 56 كيلومترًا جنوب طهران. وكانت القاعدة في الأصل مهبطًا مهجورًا مرصوفًا بالأسفلت. وكان من المقرر أن تتولى قوة قوامها نحو 100 جندي من قوات النخبة التابعة لـ"فوج الرينجرزالـ75" السيطرة على القاعدة لتكون نقطة التجمع النهائية لعملية الإخلاء، حيث يجري استقبال الأسرى وعناصر "قوة دلتا"، ثم نقلهم إلى طائرات نقل عسكرية من طراز "سي-141" (C-141) لإخراج الجميع من إيران. كما كلف الرينجرز بتدمير الطائرات والمعدات المتبقية في الموقع، بما في ذلك المروحيات، قبل مغادرتهم في المرحلة الأخيرة من العملية.

انكسار "مخلب النسر"

لكن ليلة التنفيذ شهدت تراكم المشكلات منذ دخول القوات الأميركية أجواء إيران وهبوطها في الموقع المحدد. وفور هبوط أول طائرة نقل، فوجئت القوة الأميركية بحافلة إيرانية تقل 44 راكبًا تمر على الطريق الذي يشق موقع الهبوط. وبعد ذلك بقليل، اقتربت شاحنة وقود من الموقع ورفض سائقها التوقف، فأطلق الأميركيون عليها صاروخًا مضادًا للدبابات أدى إلى انفجارها واشتعال النيران فيها، في مشهد أضاء الصحراء لأميال. ومع ذلك، تمكن السائق من الفرار عبر شاحنة أخرى كانت تسير خلفه.

في الوقت نفسه، بدأت المروحيات المخصصة للعملية تتساقط من الخطة واحدة تلو الأخرى. فقد اضطرت المروحية رقم 6 إلى الهبوط اضطراريًا في الصحراء، بعد ظهور مؤشر على وجود صدع في ريشة المروحة، ما أدى إلى التخلي عنها. أما المروحية رقم 5، فقد ضلت طريقها داخل عاصفة ترابية كثيفة عطلت أجهزة الملاحة، فقرر قائدها العودة إلى حاملة الطائرات. بينما وصلت المروحية رقم 2 إلى موقع الهبوط وهي تعاني فشلًا في النظام الهيدروليكي، الأمر الذي جعلها غير صالحة لاستكمال المهمة.

هكذا لم يتبق سوى 5 مروحيات صالحة للعمل من أصل 8 مروحيات. وبما أن الخطة كانت تتطلب ست مروحيات على الأقل لمواصلة العملية، رفض العقيد تشارلي بيكويث، قائد قوة الاقتحام، تقليص حجم القوة المهاجمة. وبناء على ذلك، وافق الرئيس كارتر على إلغاء المهمة والانسحاب فورًا.

غير أن الانسحاب نفسه سرعان ما تحول إلى كارثة. فأثناء إعادة التمركز استعدادًا للإقلاع، تسببت سحابة الغبار الكثيفة التي أثارتها محركات إحدى المروحيات في حجب الرؤية عن الطيار، ما أدى إلى اصطدامه بطائرة تزود بالوقود من طراز "إيه سي-130″، وهو ما أسفر عن انفجار أدى إلى مقتل ثمانية عسكريين أميركيين، بينهم خمسة من القوات الجوية وثلاثة من مشاة البحرية (المارينز). وتحت هذا الضغط، بادرت القوة بالانسحاب على عجل، تاركة خلفها جثث زملائهم وخمس مروحيات سليمة، إضافة إلى وثائق شديدة السرية بقيت داخل المروحيات.

تقرير "هولواي": التعقيد الزائد أبرز أسباب الفشل

لاحقًا، كشفت وثائق وزارة الخارجية الأميركية أن قرار الإنقاذ عبر عملية عسكرية، لم يكن محل إجماع داخل إدارة كارتر. فقد ظهر انقسام واضح بين وزير الخارجية سايروس فانس، الذي كان أبرز المعارضين للعملية، وكان يميل إلى التحلي بالصبر ومواصلة الضغوط والوسائل الدبلوماسية، وبين مستشار الأمن القومي بريجنسكي، الذي دفع باتجاه موقف أكثر صدامية مع طهران، بدعوى ضرورة تأكيد القوة والمكانة الوطنية الأمريكية، حتى لو انطوى ذلك على مخاطرة. ومع اتخاذ قرار المضي في محاولة الإنقاذ، وجد فانس نفسه عاجزا عن إقناع الرئيس بالعدول عن الخيار العسكري، ما دفعه في النهاية إلى تقديم استقالته في أبريل/نيسان 1980.

أما على الصعيد العملياتي، فيخلص تقرير "هولواي" الذي أعده فريق مراجعة العمليات الخاصة بعد فشل "مخلب النسر"، إلى أن المشكلة الجوهرية تمثلت في البنية المعقدة للعملية نفسها؛ إذ اعتمدت الخطة على سلسلة طويلة من الأحداث المتتابعة، بحيث كان فشل حلقة واحدة فقط كفيلًا بإحباط العملية كلها، مع غياب خطة طوارئ بديلة يمكن اللجوء إليها في حالة اختلال أحد العناصر.

عندما غرق كارتر في رمال إيران

أما على المستوى السياسي، فقد أضرت أزمة الأسرى بشعبية كارتر، الذي تبنى ما عرف في الإعلام الأميركي بـ "استراتيجية حديقة الورد"، أي إعطاء الأولوية للبقاء في البيت الأبيض والحد من التحركات الانتخابية، مفضلًا الظهور بوصفه رئيسًا منشغلًا بإدارة أزمة وطنية كبرى بدلًا من خوض حملة انتخابية تقليدية عبر الولايات. وقد اتخذ كارتر هذا النهج منذ أواخر عام 1979، مبررًا ذلك بأن تحرير الأسرى يمثل أولوية قصوى تتقدم على أي اعتبار آخر.

جاء بعد ذلك فشل عملية الإنقاذ العسكرية ليعمق هذا الانطباع ويتسبب في تدني شعبية كارتر، وهو ما استغله منافسه الجمهوري رونالد ريغان في حملته الانتخابية، مقدمًا نفسه بوصفه القادر على استعادة قوة وهيبة الولايات المتحدة في السياسة الدولية، ما أدى إلى خسارة كارتر المذلة في الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 1979.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد