اوراق خاصة

تآكل "الردع الإسرائيلي" من الداخل أزمة تزداد تعقيدًا

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

ما نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت عن تفاعل مستوطني كريات شمونة الغاضب مع خطاب بنيامين نتنياهو ليس تفصيلًا هامشيًا في مشهد الحرب المفتوحة على الجبهة الشمالية، هو مؤشر نوعي على تحوّل أعمق يمس جوهر معادلة القوة ذاتها، حيث يبدأ التصدع من الداخل قبل أن يظهر على خطوط التماس.

النص الأصلي يورد واقعة بسيطة في ظاهرها، فيديو لرئيس حكومة العدو يهاجم منتقديه ويتهمهم بفقدان الرشد، يقابله سيل من التعليقات الغاضبة من مستوطني المدينة الحدودية، تتراوح بين السخرية والاتهام المباشر بالكذب والنصب. لكن القراءة الاستراتيجية لا تتوقف عند اللغة، إذ تتجاوزها إلى ما تكشفه هذه اللغة من تحولات في الإدراك الجمعي داخل بيئة يفترض أنها الأكثر التصاقًا بعقيدة "الأمن".

اللحظة، هنا، كاشفة؛ لأنها تقلب العلاقة التقليدية بين المركز والأطراف. تاريخيًا، بُني الكيان الصهيوني على معادلة واضحة: الأطراف تتحمّل العبء الأمني مقابل شعور بالحماية والرعاية من المركز. هذه المعادلة   كانت جزءًا من العقد النفسي بين الدولة ومستوطنيها، وليست مجرد سياسة. ما يظهر، اليوم، هو انهيار تدريجي لهذا العقد، حيث لم يعد مستوطني الشمال يرون أنفسهم خط دفاع متقدم، إنما منطقة مهملة تُترك لتدير قلقها بنفسها.

حين يتهم نتنياهو منتقديه بفقدان الرشد، فهو يحاول إعادة تعريف الأزمة على أنها خلل في وعي الجمهور، لا في أداء السلطة. هذه تقنية سياسية معروفة، لكنها في السياق الحالي تعكس مأزقًا حقيقيًا. ذلك؛ لأن الجمهور المعني هنا ليس جمهورًا نظريًا أو نخبويًا، هو جمهور يعيش التهديد يوميًا، يسمع ويشاهد ويقيس الفجوة بين الخطاب والواقع. لذلك، فإن نزع الشرعية عن إدراكه لا يؤدي إلى ضبطه، إنما تعميق القطيعة معه.

في المقابل؛ تكشف ردود المستوطنين انتقالًا نوعيًا في مستوى النقد. لم يعد الأمر متعلقًا بسياسة معينة أو قرار محدد، لقد تحوّل إلى نزع شامل للمصداقية. حين تُستخدم أوصاف مثل كذاب ونصّاب، فنحن أمام انهيار في الثقة، لا مجرد خلاف سياسي. هذا التحول أخطر من أي خسارة ميدانية؛ لأن المنظومات الأمنية يمكنها إعادة بناء قدراتها، لكنها تجد صعوبة بالغة في استعادة ثقة جمهور فقد إيمانه بها.

هذا التآكل في الثقة يتقاطع وواقع ميداني معقد على الحدود مع حزب الله، حيث يتشكل نمط اشتباك منخفض الوتيرة لكنّه عالي التأثير. في هذا النمط، لا يكون الهدف تحقيق نصر عسكري حاسم، إنما هو استنزاف الإدراك وإبقاء التهديد حاضرًا من دون انفجار شامل ودفع البيئة المقابلة إلى العيش في توتر دائم. ما يكشفه وضع  كريات شمونة هو أن هذا الهدف يتحقق بدرجة متقدمة.

الأخطر، في هذا السياق، أن مفهوم الردع نفسه يعاد تعريفه. الردع لم يعد يقاس فقط بقدرة الجيش على توجيه ضربات، بل بقدرة المجتمع على الصمود النفسي وتحمّل الكلفة. حين يبدأ هذا "المجتمع"(مجموعات المستوطنين) بالتشكيك في قيادته، فإنّ جزءًا أساسيًا من الردع يتآكل، حتى لو بقيت القدرات العسكرية على حالها؛ لأن الردع في جوهره علاقة إدراكية قبل أن يكون معادلة نارية.

من زاوية أخرى؛ يكشف هذا المشهد حدود القوة الصلبة عندما تُفصل عن بيئتها الاجتماعية. الكيان يمتلك تفوقًا عسكريًا وتقنيًا واضحًا، لكنه يواجه معضلة في تحويل هذا التفوق إلى شعور بالأمان عند مواطنيه، لا سيما في المناطق الحدودية. هذه الفجوة بين القدرة والإحساس بها هي المساحة التي تتسلل منها الأزمات، وهي أيضًا المجال الذي تُبنى فيه استراتيجيات الخصوم الأكثر فاعلية.

في هذا السياق؛ تظهر أهمية البعد التراكمي. التعليقات الغاضبة لا تولد من حدث واحد، إنما من سلسلة طويلة من التجارب التي عززت الشعور بالإهمال أو الخداع. السؤال الذي طرحه أحد المستوطنين: "أين كنت طوال 20 عامًا؟"، يلخص هذه التراكمات. إنه لا يطالب بإجابة، إنما يعلن أن الزمن السياسي للقيادة الحالية قد استُهلك في نظر عدد من جمهورها.

بناء على ذلك؛ لا يعود النقاش في الشمال مجرد نقاش أمني، يصبح نقاشًا في بنية النظام ذاته. إذ إن قدرة أي نظام على إدارة الحروب لا تُقاس فقط بما يملكه من أدوات قتال، إنما بقدرته على الحفاظ على تماسك جبهته الداخلية. ما يظهر، هنا، هو أن هذه الجبهة لم تعد صلبة كما كانت تُقدَّم، وأن التصدعات فيها لم تعد خفية.

في الخلاصة

إن ما جرى ليس مجرد تفاعل على منصة رقمية، هو لحظة مكثفة تكشف تحوّلًا في ميزان القوى على مستوى أعمق. حين تبدأ الأطراف بفقدان الثقة بالمركز، يتحول الأمن من مسألة عسكرية إلى أزمة سياسية بنيوية. في مثل هذه الحالات، لا يكون السؤال: كيف تُدار المعركة على الحدود؟ بل: كيف يُعاد بناء المعنى داخل الدولة نفسها؟ وذلك؛ لأن أي خلل في هذا المعنى سيتحول عاجلًا أو آجلًا إلى خلل في كل ما يُبنى فوقه.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد