أوراق سياسية

كيف تعيد حرب إيران تعريف القوة؟

post-img

ليلى نقولا (صحيفة المدن)

يكشف المشهد العسكري والسياسي المتفجر حالياً في المواجهة بين التحالف الأميركي-الإسرائيلي وإيران، أن ما كان العالم يعرفه عن مفاهيم القوة التقليدية، والتي سادت أدبيات العلاقات الدولية لعقود، قد تمّ تجاوزها. إن ما نشهده منذ انطلاق العمليات العسكرية المباشرة يثبت أن "القوة" لم تعد تُختزل في القدرات المادية الصلبة أو الجاذبية الناعمة، بل باتت تُمارس عبر أبعاد شبكية وبنيوية وحادة، سوف تعيد صياغة موازين القوى في النظام الدولي لاحقاً، وتعيد تعريف مضامين القوة وسعي الدول لامتلاكها.

أولاً: صعود "القوة الشبكية"

رغم لجوء واشنطن وتل أبيب إلى "القوة الصلبة" الهائلة عبر عمليات القصف الجوي المكثف واستهداف القيادات العليا للدولة الإيرانية، إلا أن النتائج الميدانية كشفت عن حدود قدرة القوة العسكرية المفرطة في تحقيق نتائج سريعة على الأرض. وإن كان العالم في وقت سابق تحدث عن "عجز القوة" حين عالج مسألة الحروب غير المتماثلة، فإن العصر الحالي يكشف أن التفوق التكنولوجي والعسكري -المادي، قد لا يستطيع حسم معركة بسرعة إذا ما واجه "قوة شبكية" كالتي تديرها إيران.

إن قدرة إيران على تفعيل "وحدة الساحات" عبر فاعلين من غير الدول، وسيطرتها على الممرات الحيوية، حوّلت الصراع من مواجهة كلاسيكية إلى حرب شبكات. هنا، لا يقاس النفوذ بحجم الترسانة فقط، بل بالقدرة على التحكم في "عقد" الشبكة العالمية، سواء كانت ممرات مائية استراتيجية كما حصل في مضيق هرمز، أو شبكات عسكرية غير تقليدية كحزب الله والحشد الشعبي والحوثي، مما يجعل القوة الصلبة الهائلة الأميركية- الإسرائيلية أقل قدرة على حسم الصراع بشكل نهائي.

ورغم صعود مفاهيم التكنولوجيا والصواريخ العابرة للقارات، تكشف هذه المواجهة عن عودة حاسمة لعامل الجغرافيا، ولكن بصيغة محدثة. تحوّلت الممرات البحرية الاستراتيجية إلى "عُقد سيادية" داخل شبكة القوة العالمية. إن التحكم بهذه العقد يمنح إيران القدرة ليس فقط على التأثير في مسار الصراع، بل التأثير في توازنات النظام الاقتصادي العالمي، وهو ما يعيد الاعتبار لنظريات الجيوبوليتيك الكلاسيكية ضمن سياق شبكي معاصر.

في المقابل، ورغم ما توفره القوة الشبكية من مرونة وقدرة على التعطيل، إلا أنها تطرح بدورها تحديات بنيوية. واقعياً، تعجز تلك القوة عن تحقيق حسم نهائي للصراع، إذ أنها قوة مصممة لإرباك الخصم واستنزافه، لذا هي أقل قدرة على إنتاج انتصارات واضحة، ما قد يؤدي إلى إطالة أمد النزاعات وتحويلها إلى صراعات منخفضة الحدة ولكن مستمرة.

ثانياً: تحولات القوة الحادة

أيضاً، كشفت الحرب الحالية عن تراجع دور "القوة الناعمة" التقليدية القائمة على الجذب والاقناع، لصالح "القوة الحادة". تشهد هذه الحرب استراتيجيات تقوم على "الاختراق" بدلاً من الاستمالة؛ حيث يتم توظيف الهجمات السيبرانية والجيوش الإلكترونية لبث الشك وتقويض التماسك الداخلي وتشويه الحقائق لدى الخصم. هذا النوع من القوة، رغم كونه رخيص التكلفة، بات سلاحاً جوهرياً في "الحروب الهجينة"، حيث يتم التلاعب بالتفضيلات والأجندات السياسية عبر الفضاء الرقمي.

وفي هذا الإطار، تؤكد حرب إيران ما ذهب إليه المنظرون حول "القوة المنتشرة" في عصرنا الحديث، فلم تعد الدولة هي الفاعل الوحيد المحتكر للقوة؛ فقدرة مجموعات صغيرة أو أفراد على شنّ هجمات سيبرانية مؤثرة، أو قدرة حركات اجتماعية عابرة للحدود على التأثير في الرأي العام العالمي ضد الممارسات العسكرية، تشير إلى أن القوة أصبحت "أسهل حصولاً وأصعب استخداماً وأسرع فقداناً".

وهكذا، تتجاوز المعركة حدود الميدان العسكري لتشمل فضاء الإدراك والوعي، حيث تلعب السرديات الإعلامية دوراً مركزياً في تشكيل الرأي العام العالمي، وهو ما تحاول إيران أن توظفه عبر وسائل التواصل وعبر ظهور موالين للنظام على وسائل الاعلام الأميركية والغربية. إن القدرة على بناء رواية مقنعة وتحديد من هو المعتدي ومن هو الضحية باتت عنصراً حاسماً في شرعنة القوة أو نزعها. وبذلك، تتحول الحرب إلى صراع على السردية بقدر ما هي صراع على الأرض.

ثالثاً: تحوّل في مفاهيم "الانتصار"

في ظل هذا التشابك، لم يعد من الممكن تعريف "النصر" وفق المفهوم الكلاسيكي القائم على الحسم العسكري. فالنصر الإيراني قد يتمثل في منع الخصم من تحقيق أهدافه، أو في إطالة أمد الصراع، أو في الحفاظ على التماسك الداخلي رغم الضغوط على النظام. وعليه، فإن النصر أصبح مفهوماً نسبياً وتراكمياً، لا نهائياً ولا حاسماً، ما يعكس تحوّلاً عميقاً في طبيعة الحروب المعاصرة.

في البعد الاقتصادي أيضاً بات النصر حالياً يعرّف بالقدرة على الصمود الاقتصادي ومن سيصرخ أولاً، حيث تتحول الأسواق والموارد وأسعار الأسهم والطاقة (التي تحاول إيران التأثير عليها) إلى ميادين مواجهة موازية، تعكس شكلاً جديداً من أشكال "القوة" خارج الإطار العسكري التقليدي.

في الختام، إن ما نشهده اليوم يمثّل لحظة تحول بنيوي في طبيعة القوة ذاتها. نحن أمام مستقبل حيث تنظر الدول إلى قوتها ليس عبر القوة الصلبة فقط، بل عبر تطوير القدرات الشبكية والحادة والمعرفية. ولذا، فإن الدول التي ستنتصر مستقبلاً ليست الأقوى عسكريًا فحسب، بل الأكثر قدرة على العمل داخل الشبكات، والتأثير في الإدراك، والصمود في وجه الضغوط المركبة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد