نور محمود (صحيفة الاخبار)
على بعد 20 سنة من مشهد استهداف البارجة الإسرائيلية «ساعر 5» في حرب تموز 2006، عاد البحر إلى واجهة الصراع من جديد، مع إعلان المقاومة استهداف بارجة بحرية إسرائيلية في حدثٍ أعاد إحياء ذاكرة «انظروا إليها تحترق»، ولكن هذه المرة في سياقٍ مختلف، أكثر تعقيدًا، وأشدّ غموضًا.
لعلّ أبرز ما في هذا المسار هو أن كل مفاجأة تُنتج أخرى، وكل عملية نوعية تُعيد رسم حدود القوة، وتدفع بالقرارات الأميركية–الإسرائيلية إلى مزيد من الحذر، بعدما بات واضحًا أن ما خفي من قدرات المقاومة قد يكون أعظم بكثير مما ظهر حتى الآن.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل العملية البحرية الأخيرة عن مجمل المشهد الميداني. فهي، في دلالاتها، تؤكد أن قدرات المقاومة، ولا سيما البحرية منها، ما زالت بـ«ألف خير»، ولم يُقضَ عليها كما روّجت الرواية الإسرائيلية عقب عدوان 2024. بل على العكس، يبدو أن هذه القدرات لم تُستخدم إلاّ في اللحظة التي اختارتها المقاومة، وضمن حسابات دقيقة تتجاوز البعد التكتيكي إلى رسم معادلات ردع جديدة.
العمق البحري لم يعد آمنًا
لم يكن استهداف البارجة حدثًا معزولًا أو تفصيلًا عابرًا في سياق المواجهة، بل جاء ضمن سلسلة من المفاجآت التي أخذت تتراكم وتؤسس لتحوّل نوعي في مسار الصراع. فمثل هذا النوع من العمليات لا يقتصر تأثيره على الميدان مباشرةً، بل يمتد ليطال توازن الردع نفسه، ويعيد صياغة الحسابات العسكرية الإسرائيلية، خصوصًا فيما يتعلق بحريّة الحركة في البحر الأبيض المتوسط.
ذلك أنّ الرسالة الأبرز هنا: أنّ بين تموز 2006 ونيسان 2026، يتكرّر المشهد ذاته: البحر لم يعد منطقة آمنة، والمفاجآت لم تعد استثناءً، بل قاعدة. وما بين استهداف «ساعر 5»، وضرب البارجة في عرض البحر اليوم، تتكرّس معادلة تقول إن «الصراع لم يعد كما كان، وأن ميزان القوة بات يُكتب بلغة مختلفة، عنوانها الدقة، والمباغتة، والاستمرارية في فرض الردع والمقاومة»، مما يفرض على «إسرائيل» إعادة تقييم استراتيجياتها، ليس فقط في البحر، بل في مجمل مسرح العمليات. وعليه، فإن إدخال البحر مجددًا في دائرة التهديد الفعلي يعني توسيع مسرح العمليات، وتعقيد خيارات الإسرائيلي، وجعل أيّ قرار بالتصعيد أكثر كلفة ومخاطرة.
ما خفي للمقاومة أعظم
الأخطر في هذا المشهد ليس فقط ما ظهر، بل ما لم يظهر بعد. فالمقاومة، وفق ما تكشفه العمليات النوعيّة المتراكمة التي تقوم بها يوميًا، تعني أنها لا تزال تمتلك أوراق قوة غير مكشوفة، تختار توقيت استخدامها بدقة، حيث تعتمد سياسة «الإظهار الانتقائي»، أيّ إنها تكشف بعض القدرات في أوقات مدروسة، بينما يبقى الجزء الأكبر في دائرة الغموض.
وقد تجلّى ذلك في أكثر من محطة خلال الأيام الأخيرة، بدءًا من العملية البحريّة التي أعلنت عنها المقاومة ليل الأحد في الخامس من هذا الشهر، والتي شكلت مفاجأة بحد ذاتها من حيث التوقيت والوسيلة، فجاءت خارج التوقعات التقليدية، ما يعزز فكرة أن هناك أنماطًا عملياتية لم تُستخدم سابقًا أو لم يُكشف عنها بعد، خصوصًا القدرات البحرية منها، والتي لم تكن في دائرة الحسبان الإسرائيلي.
الأمر نفسه ينسحب على ملف الدفاع الجوي في سابقة لافتة. فإعلان المقاومة التصدي لطائرات حربيّة إسرائيلية كانت فوق سماء الضاحية وإجبارها على التراجع، وذلك في 27 آذار الماضي، يشير إلى تطور تدريجي في قدرات المقاومة الجويّة، حتى لو بقي ضمن حدود مدروسة. حيث إنها ليست مجرد خطوة تكتيكية، بل إشارة إلى محاولة تعديل قواعد الاشتباك الجوية بشكل لافت، بل ومقلق للطرف الإسرائيلي.
إضافةً إلى ذلك، الميدان يُظهر مؤشرات موازية، تُعزز فرضيّة القدرات الخفيّة للمقاومة بشكل لافت، وفقًا للبيانات اليومية الصادرة عن الإعلام الحربي للمقاومة، التي بدورها تؤكد صعوبة تمركز قوات جيش العدو الإسرائيلي في القرى الحدودية، وما تتعرض له من كمائن محكمة ومواجهات ضارية تستدعي التراجع والانسحاب في كل محاولة تسلل أو التفاف تقوم بها فتبوء بالفشل، مما يعكس بدوره قدرة خفيّة على إدارة المواجهة بطريقة تمنع الحسم السريع في ظل تفوق جوّي إسرائيلي.
أما استخدام المدفعية الميدانية، فيحمل دلالة إضافية وعنصرًا لافتًا في تكتيكات المقاومة الجديدة، إذ يعكس انتقالًا من أسلوب الضربات الصاروخية السريعة إلى إدارة مواجهة بنيران أكثر تنوعًا وتوسعًا، بما يسمح بخلق ضغط مستمر على القوات المعادية، وتوسيع هامش المناورة في إدارة المعركة بأساليب أكثر فتكًا وتنوعًا.
ارتباك في الرواية الإسرائيلية
في مقابل هذه الوقائع، برز ارتباك واضح في الخطاب الإسرائيلي. فالتغطيات الإعلامية العبرية، في الساعات الأولى لأيّ حدث أمني من هذا النوع، غالبًا ما تبدأ بتسريبات أو اعترافات جزئية، قبل أن تتجه لاحقًا نحو النفي أو التقليل من حجم الحدث.
هذا النمط تكرر في الحادثة الأخيرة، حيث تم تداول معلومات أولية عن «حدث أمني بحري» قامت به المقاومة باستهداف بارجة إسرائيلية، قبل أن تتراجع الرواية الرسمية إلى صيغة أكثر ضبابية، تنفي وقوع إصابة مباشرة وتقلل من أهمية الحدث، لتقوم بعدها باختلاق رواية متضاربة حول هويّة البارجة المستهدفة «وأنها بارجة بريطانية وليست تابعة لهم»، مما يُبيّن أن «إسرائيل» لم تتمكن من تقديم رواية متماسكة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقدرات غير متوقعة أو غير مفهومة بالكامل.
هذا التخبّط لا يمكن فصله عن عنصر المفاجأة، ولا عن صعوبة استيعاب طبيعة القدرات التي استُخدمت من قبل المقاومة بشكل مباغت ومفاجئ. بل إنه يعكس، في جانب منه، حالة حيرة حقيقية: كيف استطاعت المقاومة تنفيذ عملية من هذا النوع؟ وبأي وسائل؟ وهل ما جرى هو استثناء أم بداية نمط جديد؟ وهل من مفاجأة وقدرات خفيّة أخرى تنتظرها؟
المقاومة أمام مرحلة مختلفة؟
كل ما سبق يفتح الباب أمام فرضية جديّة: هل نحن أمام نسخة جديدة من المقاومة؟ أكثر قوة وفتكًا، وأمام «حزب الله» مختلف بإمكانياته وقدراته وأساليبه عمّا كان عليه في عدوان 2024؟
السؤال لم يعد نظريًا. فالمعطيات الميدانية، من البحر إلى الجو إلى البر، تشير إلى تحوّل تدريجي في شكل المواجهة، وفي طبيعة الأدوات المستخدمة، وفي مستوى الجرأة على إدخال قدرات نوعية إلى ساحة الاشتباك. حيث إن ما يجري اليوم لا يبدو امتدادًا مباشرًا لما كان قائمًا في 2024، بل أقرب إلى إعادة بناء لمسار الردع نفسه بشكل مختلف وموسّع، بل وشامل. مسار يقوم على الغموض المدروس، وتعدد الأدوات، واستخدام المفاجأة كعنصر مركزي في إدارة الصراع.
وعليه، قد نكون أمام لحظة تأسيسيّة لمرحلة مختلفة: مقاومة جديدة أكثر تعقيدًا، أقل قابلية للتوقع، وأكثر قدرة على فرض معادلات جديدة. حيث لا يكون السؤال عمّا ظهر، بل عمّا لم يظهر بعد.