اوراق خاصة

كمين طريق الشقيف.. تصدع الوعي العسكري

post-img

معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي

العين التي تكتفي بوصف ما جرى عند نهر الليطاني مقابل قلعة الشقيف بوصفه “كمينًا ناجحًا” هي عين لا تزال أسيرة السطح، حتى وإن ازدانت بالأرقام والشهادات. ذلك؛ لأن المسألة، في جوهرها، ليست اشتباكًا ناريًا كثيفًا، هي لحظة تعرية قاسية لبنية عسكرية ظنّت طويلًا أن بإمكانها إدارة الحرب من خلف الشاشات، ثم وجدت نفسها فجأة داخلها، عارية من امتيازها الأهم.

كانت الرواية التي بثّتها القناة "12 العبرية" وثيقة انكسار أكثر مما هي خبر إعلامي؛ وبنية لغتها بدت "مهمة انتحارية"، مثل نقلهل قول أحد الجنود: "لم نشهد مثل هذا".. "عجزوا عن رفع رؤوسهم".. هذه توصيفات ترمز إلى انزلاق في الوعي الإسرائيلي الجمعي. لا يبدو أن الجندي الذي تحدث بهذه المفردات ينطق منطلقًا من عقيدة قتالية، لقد كان مصدومًا.. هذه المسألة تحديدًا هي مفتاح القراءة؛ لأن الحروب لا تُحسم حين تُكسر الجبهات، إنما حين يتصدع المعنى الذي يقاتل الجندي من أجله.

ما جرى لم يكن تفوق نيران، هو سيطرة على شكل اللحظة نفسها. الكمين بُني على استدراج الخصم إلى فضاء يُجرد فيه من منطقه العملياتي؛ لا على عنصر المفاجأة التقليدي. إذ إن كثافة القصف، وحتى تزامنه مع تعطيل الحركة وما رافقه من إصابات متتالية وانقطاع إيقاع حركة الجنود، حيث تحولت كل محاولة إنقاذ إلى هدف جديد للمقاومين.. أن تتحرك قوة نحو هدف محدد، ضمن تصورها أنها هي التي ترى وتُدير وتُغطّي، ثم تجد نفسها فجأة داخل شبكة نيران مُحكمة، فهذا يعني أن المعركة لم تبدأ عند إطلاق الصاروخ الأول، بل عند لحظة بناء الثقة الزائفة.

في هذه اللحظة تحديدًا؛ يظهر الفارق بين من يقاتل بناء على عقيدة وبين من يقاتل منطلقًا من "الإجراء”. جيش يعتمد على التفوق التكنولوجي والاستشعار وإدارة المعركة مستعينًا بالذكاء الاصطناعي وتطوره الرقمي، يصبح هشًّا حين تُسحب منه هذه الأرضية من العقيدة والقناعة؛ لأنه لم يُدرّب نفسه على القتال داخل الضباب، بل على إزالته.. وحين يفشل في ذلك، يتحول من قوة مبادرة إلى هدف متحرك للطرف الآخر.

وصف الجنود كيف زحفوا في محاولة الوصول إلى الجرحى زملائهم تحت نيران كثيفة.. في ما قالوه ووصفوه  لم يكن بطولة منهم ..تشهد فيه انهيارًا تسلسليًا في منظومة السيطرة. الجندي، هنا، لم يكن ينفذ الخطة المعدة مسبقًا..لقد تحولت فجأة إلى محاولات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. اللحظة التي يتحول فيها القتال من تحقيق هدف إلى تفادي الموت هي لحظة هزيمة، حتى لو لم تُعلن.

أما ترك معدات "يهلوم"، فهو ليس تفصيلًا عابرًا.. ففي أي عقيدة عسكرية منضبطة يعد هذا خطًا أحمر. ليس لأن المعدات ثمينة، إنما لأنها تمثل السيطرة التي لا يجب فقدانها، وأن يُسمح بالوصول إليها وتصويرها، فهذا يعني أن القوة لم تنسحب وحسب، أيضًا انكشفت إلى درجة فقدت معها القدرة على حماية حتى رمزها التقني. هذا أخطر من الخسارة البشرية؛ لأنه يضرب صورة الجيش في وعي نفسه قبل خصومه.

السؤال الحقيقي: ليس ماذا خسر الجيش هناك، بل ماذا تعلّم؟ لأن الجيوش لا تُهزم من ضربة، بل من عجزها عن التكيف بعدها. وإذا كان هذا الكمين قد نجح في فرض معادلة أن التقدم نحو الليطاني قد يتحول إلى مقامرة مكلفة، فهنا نكون أمام بداية تحول. أما إذا استُوعب، وأُعيدت صياغة التكتيك، فسيبقى لحظة لامعة في حرب أطول.

أعمق من ذلك كله، أن ما جرى يكشف تحوّلًا في طبيعة الصراع نفسه. إذ لم يعد الهدف كسر القوة العسكرية مباشرة، فقد أصبح تفكيك ثقتها بنفسها. أن تُقنع الجندي أن كل خطوة قد تكون الأخيرة والشاشات التي تحميه قد تخونه والتفوق الذي دُرّب عليه ليس ضمانة.. لن تبقى حرب مواقع، ستصبح حربًا على الوعي، تُخاض داخل رأس المقاتل قبل أن تُخاض على الأرض.

لهذا، فإن أخطر ما في الرواية التي سردها الجنود لا تكمن في عدد الصواريخ ولا حجم الخسائر، هي في تلك الجملة التي مرّت كأنها عادية.. "لقد أرسلونا إلى مهمة انتحارية"؛ لأن الجندي الذي يقول ذلك، حتى لو نجا، لن يعود كما كان. والجيش الذي يُنتج هذا الشعور، حتى لو انتصر لاحقًا، لن يقاتل بالطريقة نفسها.

في هذه اللحظات فقط يبدأ الفهم، حين تدرك أن المعركة لم تكن على ضفاف النهر، بل داخل بنية كاملة بدأت تتصدع بهدوء ومن دون إعلان.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد