اوراق مختارة

إسرائيل تمنع الاحتفالات بعيد الفصح: مسيحيّو فلسطين على درب الآلام

post-img

غادة حداد/جريدة الأخبار

في أرض المسيح، تحتفل الطوائف التي تتبع التقويم الشرقي بيوم الجمعة العظيمة والفصح. لكنّ المسيحيين يواجهون اليوم قيودًا متصاعدة تطال وجودهم الديني واليومي. من كنيسة القيامة في القدس إلى بلدات الضفة الغربية، يتراجع حضورهم الديموغرافي تحت ضغط الاعتداءات والاستيطان، وسط مخاوف من تهديد وجودي متزايد. مع ذلك، يتمسكون بإيمانهم، معتبرين معاناتهم امتدادًا لدرب الآلام، ورجاءهم وعدًا بالقيامة

في أرض المسيح، يُمنع المسيحيون من الاحتفال بالقيامة، ضمن خطة ممنهجة لقمعهم وتهجيرهم، حتى مغادرة آخر مسيحيّ أرضه المقدسة. وبينما يفترض أن يضيء «النور المقدس» دروب المؤمنين في كنيسة القيامة اليوم الجمعة، يجد كثيرون أنفسهم هذا العام محرومين من الوصول إلى أقدس أماكنهم، في مشهد يعكس تحوّلًا عميقًا في واقع الحضور المسيحي في فلسطين.

الوجود المسيحي في الشرق مهدّد بشكلٍ رئيسي في مهد المسيح، ولا ترفع الأصوات إلى واقع تهجيري وإبادي يمتدّ على طول الأراضي المحتلة. بين طقوس تُقام خلف الأبواب المغلقة، وواقعٍ يزداد قسوة، تتشكل اليوم ملامح مرحلة تهدد ليس فقط حرية العبادة، بل أيضًا استمرارية أحد أقدم الجذور المسيحية في العالم.

منع الطقوس الدينية

يصادف بعد غد الأحد عيد الفصح لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الشرقي. وفي التقاليد الدينية، يفترض أن يتوجه بطريرك القدس للروم الأرثوذكس ثيوفيلوس الثالث وحيدًا يوم السبت إلى قبر المسيح في كنيسة القيامة في القدس، ليقيم الصلاة قبل أن يخرج حاملًا شموعًا مشتعلة، يُقال إنها أُضيئت بشكل عجائبي، لتنتشر النار بسرعة بين الحشود داخل الكنيسة.

ينتظر المسيحيون هذا الحدث سنويًا، فهو يرمز إلى قيامة المسيح وانتصار الحياة على الموت، كما يمنحونه بُعدًا روحيًا عميقًا يتجاوز مجرد الطقس، إذ يعتبرونه تجددًا للنور الإلهي في العالم. وقد ارتبطت بهذا الحدث روايات شعبية عدة، من بينها الاعتقاد بأنّ النار في لحظاتها الأولى لا تحرق، وهو ما يعزّز الإيمان بطبيعته الخارقة لدى كثيرين.

لكن هذا العام، لن يتمكّن المؤمنون من الوصول إلى قبر المسيح، بسبب منع سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسيحيين من الاحتفال بالقيامة في الكنيسة. فقد سبق أن ترأس البطريرك ثيوفيلوس، قداسًا استثنائيًا في كنيسة القيامة يوم الأحد الفائت، بوجود عدد محدود جدًا من الكهنة والرهبان، وبحضور ديبلوماسي مقتصر على القنصل اليوناني، كرمز للدعم الدولي والالتزام بالوضع التاريخي القائم، فيما منعت الحشود من المشاركة.

مع اقتراب «سبت النور» عند الطوائف الشرقية، ستبقى الكنيسة مغلقة أمام الحجاج والزوار، ويتوقع أن يقتصر حضور مراسم «فيض النور المقدس» على نحو 50 شخصًا فقط من رجال الدين والوفود الرسمية المحدودة. وقد فرض الاحتلال قيودًا صارمة وتصاريح رقمية للدخول إلى الحيّ المسيحي، متذرعًا بغياب الملاجئ الكافية داخل الكنيسة القديمة للحماية من الهجمات الصاروخية المحتملة.

رغم هذه الجدران المغلقة، تحرص البطريركية على إقامة الصلوات بحدها الأدنى لضمان استمرار التقليد الكنسي الذي لم ينقطع عبر القرون. كما يجري التنسيق لنقل «النور المقدس» عبر رحلات جوية خاصة إلى دول العالم الأرثوذكسي، ليبقى التواصل الروحي قائمًا رغم الحواجز العسكرية. سبق أن منع الاحتلال بطريرك اللاتين في القدس، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، إلى جانب مسؤولين كنسيين آخرين، من دخول كنيسة القيامة لإقامة قداس أحد الشعانين وقداس القيامة، للمرة الأولى منذ قرون.

قال الكاردينال بيتسابالا إن «جميع الاحتفالات» والتجمعات أُلغيت خلال الشهر الماضي امتثالًا لقيود القيادة العسكرية. وأضاف: «لكنّ هناك أمورًا لا يمكننا إلغاؤها. لا أحد، حتى البابا، لديه سلطة إلغاء طقوس عيد الفصح». وقد مُنع المسيحيون من القيام لطقوسهم السنوية في أسبوع الآلام، بعد إلغاء مسيرة درب الصليب واحتفال سبت النور عند الطوائف الغربية، وهو المتوقع أن يحدث في أسبوع الآلام عند الطوائف الشرقية. تعليقًا على القمع الإسرائيلي، اعتبرت الكنائس في القدس أنّ هذه القيود تمثل سابقة خطيرة، وتمس بجوهر حرية العبادة، مؤكدة أنّ الصلاة ستستمر خلف الأبواب المغلقة، لتكون رسالة أمل وصمود لكل المؤمنين الذين حُرموا من الوصول إلى القدس.

تهديد يومي

يعيش المسيحيون في فلسطين تهديدًا يوميًا من قبل سلطات الاحتلال والمستوطنين على حدٍ سواء. إذ تُعد بلدة الطيبة مثلًا، الواقعة على تلة في قلب الضفة الغربية، واحدة من أقدم التجمعات المسيحية في العالم، غير أنّها تواجه اليوم تهديدات متزايدة، وفق تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية. يشير التقرير إلى أن البلدة، التي يعود تاريخها إلى العهد اليوناني حين كانت تُعرف باسم «إفرايم»، وشهدت، وفق الروايات الإنجيلية، لجوء المسيح وتلاميذه إليها قبل رحلته الأخيرة إلى القدس، صمدت عبر قرون طويلة أمام الغزوات والتحولات السياسية، من الصليبيين إلى العثمانيين فالانتداب البريطاني، وصولًا إلى الحروب الإسرائيلية. إلا أنّ سكانها يرون أن مستقبلهم بات اليوم أكثر هشاشةً من أي وقت مضى.

تحيط بالبلدة أربع مستوطنات إسرائيلية كبيرة، إلى جانب بؤر استيطانية غير رسمية، أقامها مستوطنون متدينون يتبنون رؤى مسيانية، ويعمدون إلى إرسال مجموعات استيطانية تُعرف بـ«شباب التلال» لمضايقة الفلسطينيين وترهيبهم. ويؤكد السكان أنّ هذه الاعتداءات، التي تشمل الاستيلاء على الأراضي ومنعهم من الوصول إلى بساتينهم، تندرج ضمن نمط أوسع وصفته الأمم المتحدة بأنه «تطهير عرقي». كما يشيرون إلى تصاعد ملحوظ في وتيرة الهجمات خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك إحراق مواقع دينية واقتحام البلدة وتخريب الممتلكات.

في ظل هذه الضغوط، يعاني المجتمع المحلي من نزيف سكاني متواصل، إذ غادرت عائلات عدة البلدة خلال العامين الماضيين، ما أدى إلى تراجع عدد سكانها إلى نحو 1100 نسمة. ورغم بعض أشكال الدعم المحدودة، مثل زيارات ديبلوماسية خلال موسم قطاف الزيتون، يبقى الخوف من المستقبل مسيطرًا، خصوصًا مع تسهيلات قانونية جديدة تسمح للإسرائيليين بشراء أراضٍ في الضفة الغربية، في خطوة تُفسَّر على أنها تمهيد لضمّ تدريجي.

يشير تقرير «الغارديان» إلى أنّ هذا القلق يمتد إلى بلدات مسيحية أخرى مثل بيت ساحور، حيث يهدد التوسع الاستيطاني الوجود التاريخي للمجتمعات المسيحية. ومع تزايد القيود على الحركة، واستمرار الاعتداءات، وتراجع الأمل، يرى كثيرون أن هذه المجتمعات، التي حافظت على وجودها لآلاف السنين، باتت اليوم تواجه أخطر مراحلها.

تراجع مكون أساسي

دائمًا ما شكّل المسيحيون مكوّنًا أساسيًا وحيويًا في النسيج الفلسطيني، فيما بات حضورهم اليوم يختصر كأقلية صغيرة، في نسبة تصل إلى واحد في المئة من سكان الأراضي في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويتراوح عددهم بين 46 ألفًا و50 ألف نسمة، بحسب بيانات «الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني» و«مركز القدس للعلاقات الكنسية».

تتركّز غالبية المسيحيين في الضفة الغربية، ولا سيما في بيت لحم ورام الله والقدس الشرقية، فيما لم يبقَ في قطاع غزة سوى مجتمع صغير لا يتجاوز الألف نسمة. وهذا يعكس تراجعًا ديموغرافيًا حادًا، مقارنة ببداية القرن العشرين حين كانوا يشكّلون ما بين 10 و12 في المئة من السكان، ما يعكس انكماش حضور تاريخي كان جزءًا أصيلًا من هوية الأرض.

يعود هذا التراجع لما يتعرّض له المسيحيون في فلسطين، بما فيها القدس وغزة، من اعتداءات متكررة، طالت البشر والحجر على حد سواء من التضييق على الوصول إلى الأماكن المقدسة، وصولًا إلى القصف الذي لم يستثنِ حتى المرافق المرتبطة بالكنائس. ومن أكثر المشاهد إيلامًا قصف «مستشفى المعمداني» في غزة في 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، ما أدى إلى استشهاد أكثر من 500 فلسطيني، فيما حرص الاحتلال، وخلفه حكومات الغرب، على طمس حقيقة أنّ المستشفى تابع للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية في القدس، مرددين ذريعة أنّ «حماس» كانت تستخدمه لأغراض عسكرية.

رغم هذا التقلّص، لا يزال المسيحيون الفلسطينيون يحملون بُعدًا روحيًا عميقًا، متجذّرًا في الأرض التي شهدت ميلاد المسيح وآلامه وقيامته. يعيشون إيمانهم كشهادة يومية على الصمود، في مواجهة واقع يثقل كاهلهم. هم، شأنهم شأن المسلمين، يرزحون تحت وطأة الاحتلال، يواجهون قيودًا على الحركة، ومصادرة للأراضي، وضغوطًا اقتصادية خانقة، وقتلًا يوميًا ممنهجًا، وحملات ترهيب وترحيل، لكنهم أيضًا يختبرون معاناتهم ضمن أفق روحي يجعل من الألم مشاركةً في درب الآلام، ومن الرجاء انتظارًا دائمًا للقيامة.

آلام وقيامة فلسطين

في الجمعة العظيمة، حمل المسيح صليبه وسار نحو الجلجلة، مثقلًا بالألم، محاطًا بالرفض والعنف. والمدن التي شهدت ميلاد المسيح وحياته، باتت مساحات للصمود اليومي. وكما صلب المسيح بين السماء والأرض، في لحظةٍ بدت كأنها نهاية كل شيء، يعيش كثير من المسيحيين الفلسطينيين حالة معلّقة بين الرجاء والألم. القيود على الحركة، التهجير والقتل، صعوبة الوصول إلى الأماكن المقدسة، والتضييق على الاحتفالات الدينية، كلها تشبه ذلك الحجر الثقيل الذي أُغلق به القبر.

أتي السبت المقدس، يوم الصمت. يومٌ يبدو فيه كل شيء ساكنًا، كصمت العالم أمام معاناة الفلسطينيين، وصمت المدن التي كانت تضجّ بالحياة، وأصبحت أكثر فراغًا مع تراجع أعدادهم. ومع فجر الأحد، يُدحرج الحجر، ويُعلن أن الموت لم ينتصر. القيامة تحمل إعلانًا بأنّ الظلم، مهما طال، لا يملك بيده الكلمة الأخيرة

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد