بمقاربة تكشف عمق الوعي النقابي الأميركي تجاه فلسطين، يبدأ الباحث الأميركي، جيف شوركي، كتابه "لا حياد هناك: الحركة النقابية الأميركية، الصهيونية وصراع فلسطين" (هيماركت للنشر، 2025)، مستعرضًا كيف تحولت الهياكل النقابية، التي يُفترض أن تمثّل العمّال، إلى أدوات دعم مشروعٍ سياسي استعماري بعيد عن مصالح الطبقة العاملة. الكتاب، يقدم قراءة نقدية دقيقة لعلاقات الحركة النقابية الأميركية بالكيان الصهيوني، مع التركيز على الدور الذي لعبه قادة "الاتحاد الأميركي للعمل والصناعات" (AFL-CIO) في تعزيز الصهيونية على حساب التضامن مع العمال الفلسطينيين.
يوضح شوركي أن قيادات النقابات العليا منحت الأولوية لمصالح الصهيونية منذ أكثر من قرن، بدءًا بـ"الاتحاد الأميركي للعمل"، ثم بعد اندماجه مع "مؤتمر المنظمات الصناعية" في عام 1955، موضحًا كيف أن هذا الدعم كان جزءًا من استراتيجيات الإمبريالية على المستوى العالمي. ويؤكد شوركي التمييز بين الصهيونية باعتبارها حركة سياسية واليهودية دينًا، مشيرًا إلى أن العديد من اليهود يعارضون الصهيونية، بينما هيمنت القيادة النقابية على استثمار الهياكل النقابية لتعزيز مشروع استعماري كامل في فلسطين.
كذلك يسلّط الكتاب الضوء على دور "الهيستدروت" (الاتحاد العام للعمل في أرض إسرائيل) التي أسست عام 1920 على أرض فلسطين، والتي عملت كشبكة لتنظيم العمال اليهود وإقصاء الفلسطينيين من سوق العمل والخدمات الاجتماعية، لتدعيم اقتصاد يهودي خالص، كما ضمّ الهيستدروت الحرسَ شبه العسكري، المعروف باسم "الهغاناه" ضمن هيكله التنظيمي. ويلفت الباحث إلى أن دعم النقابات الأميركية لم يكن مجرد مسألة اقتصادية، بقدر ما شكّل مشروعًا سياسيًا متكاملًا لتعزيز الاستيطان الصهيوني، وإخفاء تأثيره بالعمال الفلسطينيين.
يتتبّع الكتاب تاريخ استجابات اليهود في شرق أوروبا لمعاداة السامية، موضحًا كيف تبنّت الطبقة العاملة اليهودية نهج التضامن العمالي الدولي بينما اختارت فئات أُخرى القومية الاستيطانية. هذا التباين أسّس لما يُعرف بـ"الصهيونية العمالية" التي جذبت القادة النقابيين الأميركيين، واستثمرت في شبكات النقابات لإضفاء شرعية على المشروع الاستعماري.
يوثّق شوركي دعم "الاتحاد الأميركي للعمل والصناعات" لإسرائيل بعد نكبة 1948، رغم قتل وتشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين، موضحًا كيف استمر هذا الدعم في قمع المبادرات الفعلية للتضامن مع العمال الفلسطينيين، بينما تصدّت مجموعات ناشطة، مثل "لجنة العمل في الشرق الأوسط"، و"العمل من أجل فلسطين" لمحاولة تصحيح هذا الانحياز. الكتاب يعرض الجهود المستمرة لهذه المجموعات، لكنها بقيت محدودة التأثير داخل الهياكل النقابية الواسعة. من خلال هذا التحليل، يقدم "لا حياد هناك" سردًا دقيقًا ومفصّلًا لصراع العمال الفلسطينيين ضد الاحتلال، ويكشف ازدواجية القيم في النقابات الأميركية، التي دعمت مصالح أجنبية وتجاهلت حقوق العمال الفلسطينيين، مقدّمًا مصدرًا علميًا وعمليًا للباحثين والناشطين على حد سواء.