مجتبى الحسيني/جريدة الأخبار
ما صدر عن وزارة الخارجية الأميركية في السادس عشر من نيسان 2026 يستحق أن يُقرأ مرتين: مرة كما كُتب، ومرة كما أُريد له. فهو في ظاهره وثيقة لوقف الأعمال العدائية، وفي باطنه هندسة قانونية وسياسية تُؤسّس لمرحلة مختلفة جذريًا في الصراع مع العدو الإسرائيلي - مرحلة يُطلب فيها من لبنان أن يكون شرطيًا على نفسه، ومفاوضًا يحمل شروط عدوّه إلى طاولة ليست طاولته.
أولًا - الجريمة في الشكل قبل المضمون
قبل أي كلام عن البنود، ثمة حقيقة لا تحتمل التأويل: لبنان لم يكن شريكًا في هذا الاتفاق، بل كان متلقيًا لأمر واقع. ترامب أجرى اتصالًا بالرئيس عون وأبلغه بالقرار. وزراء كابينت نتنياهو علموا بوقف النار عبر وسائل الإعلام قبل أن يُستشاروا. حتى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية فُوجئت، فيما المقاومة أُحيطت علمًا مسبقًا عبر السفير الإيراني في بيروت - لا عبر حكومتها الوطنية. القرار صُنع في واشنطن، والباقون يؤدون أدوارًا في مسرحية أُخرجت بالكامل هناك.
لكن المشكلة لا تقف عند الإهانة الديبلوماسية. المادة 65 من الدستور اللبناني صريحة: قرارات "الحرب والسلم" تستوجب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء. الدخول في مفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي نحو "سلام دائم" هو بامتياز قرار سلم بمفهومه الدستوري - ولم يُتخذ بهذا النصاب. والإقدام عليه بقرار رئاسي منفرد دون مجلس نواب ودون توافق وطني، يصطدم بما هو أعمق من المادة 65: الفقرة "ياء" من مقدمة الدستور التي تنص صراحةً على أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك" - وقرار يستهدف وجود مكوّن أساسي من مكونات الشعب هو بالتعريف ناقض لهذا الميثاق.
أخطر من ذلك: إصدار بيان "مشترك" مع العدو الإسرائيلي هو سابقة لم تتكرر منذ الاتفاق المشؤوم في 17 أيار 1983. وحتى اتفاق تشرين 2024 صدر كقرار حكومي لبناني منفرد، لا كبيان مشترك مع العدو. ما حدث في نيسان 2026 مختلف نوعيًا: إعلان يُظهر لبنان وكأنه في تنسيق كامل مع حكومة هذا الكيان التوسعي. التاريخ يعيد نفسه، ومن لا يقرأه محكوم بتكراره.
ثانيًا - بطلان "التفويض": ثغرة فيينا التي قد تُسقط الاتفاق
لا تتوقف الجريمة الدستورية عند حدود الداخل، بل تمتد لتضرب شرعية "الرضى اللبناني" في ميزان القانون الدولي. اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) في مادتها السابعة تُفترض صلاحية رئيس الدولة لتمثيلها، لكن مادتها السادسة والأربعين تمنح الدولة الحق في التمسك ببطلان موافقتها إذا كان الإخلال بقانونها الداخلي "واضحًا ومسّ قاعدة ذات أهمية أساسية". وهل ثمة قاعدة أكثر أساسية من المادتين 52 و65 من الدستور اللبناني اللتين تحظران الانفراد بقرارات السلم وتفرضان رقابة برلمانية على المعاهدات؟
من منح "الموافقة" اللبنانية في واشنطن فعل ذلك وهو يفتقر إلى الأهلية الدستورية الكاملة. وبما أن هذه الوثيقة تؤطر لالتزامات "سلام دائمة"، فإن أي تفويض لم يمر عبر القنوات التي رسمها الدستور هو تفويض منتحل. الخلاصة القانونية: هذه الوثيقة "اتفاق معيب الإرادة" لا يلزم الدولة اللبنانية بقدر ما يُلزم الأشخاص الذين تجاوزوا حدود وكالتهم الوطنية.
ثالثًا - "البلدان ليسا في حالة حرب": إنشاء قانوني لا وصف للواقع
الجملة الأكثر خطورة في الوثيقة لا تحتل العنوان - بل تختبئ في المتن: "يؤكد لبنان وإسرائيل أن البلدين ليسا في حالة حرب". هذه ليست وصفًا لواقع يعرفه كل لبناني؛ إنها إنشاء قانوني يُغيّر الوضع القائم بجرة قلم. حين تقبل الحكومة هذا التوصيف فهي تتخلى رسميًا عن حقها في توصيف الدمار "جرائم حرب" تستوجب التعويض والمساءلة، وتنهار حجتها القانونية في المحافل الدولية.
الأشد غرابةً أن هذا الإعلان يتجاهل كليًا أن لبنان لا يعترف بإسرائيل أصلًا بل يُصنّفها "عدوًا" في قوانينه النافذة. قانون المقاطعة لعام 1955 والمادة 285 من قانون العقوبات لا يزالان ساريين ويُجرّمان أي تعامل معها. الحكومة التي وافقت على هذا البيان لم تطلب تعديل هذه القوانين عبر المسار الدستوري - مما يجعل موافقتها مخالفة للقانون الذي أقسمت على احترامه.
رابعًا - كسر قاعدة ثابتة والتفاوض على ما هو مسلّم به
منذ اتفاقية الهدنة لعام 1949 مرورًا بتفاهم نيسان 1996 والقرار 1701 وترسيم الحدود البحرية 2022 - كانت الصيغة اللبنانية دائمًا: التفاوض عبر وسيط لا وجهًا لوجه مع العدو. هذه القاعدة لم تكن عنادًا ديبلوماسيًا بل حاجزًا قانونيًا وأخلاقيًا ضد التطبيع التدريجي. كسرها الآن في لحظة ضعف واحتلال لا يمثّل شجاعة سياسية - بل محاولة هدم ما بنته أجيال على مدى سبعة عقود.
لعل أشد ما يثير السخرية في هذه الوثيقة بندها الأخير: التفاوض على "ترسيم الحدود البرية". أي ترسيم؟ الحدود اللبنانية معروفة ومُعترف بها دوليًا. ما كان ينبغي للبنان قبل هذه التنازلات الكبرى أن يقبل بأقل من انسحاب فوري وكامل إلى خط الحدود وتحرير كل شبر احتُل منذ 2023، فضلًا عن الانسحاب من مزارع شبعا والنخيلة والغجر ونقاط الخرق والتحفظ. لكن الوثيقة بذكاء خبيث تُعيد عقارب الساعة وتجعل من الحق الثابت مادةً للمساومة، ومن المحتل صاحب حق، ومن صاحب الأرض طالب إذن.
خامسًا - "حق الدفاع عن النفس": الثغرة التي تبتلع الاتفاق
البند الثالث يمنح العدو الإسرائيلي حق اتخاذ "جميع التدابير الضرورية دفاعًا عن النفس في أي وقت ضد هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية"، مضيفًا أن "وقف الأعمال العدائية لا يجوز أن يعيق هذا الحق". ثم يُلزم البند الرابع الحكومة اللبنانية بمنع المقاومة من أي عمل عدائي. الحساب بسيط: العدو الإسرائيلي يهاجم متى شعر بـ"تهديد وشيك" - وهو مصطلح فضفاض جدًا لا تعريف دقيقًا له، تملك إسرائيل وحدها تفسيره - ولبنان يلتزم بمنع أي رد.
الأخطر أن هذه الصياغة تقلب موازين القانون الدولي رأسًا على عقب: فهي تضع لبنان في خانة "المعتدي" المحتمل الذي يجب ردعه، بينما تمنح العدو الذي يحتل ويدمر ويقتل صكًا مفتوحًا تحت عنوان "المدافع عن نفسه". هذا المنطق المقلوب كرسته حكومة العدو الإسرائيلي تحت القرار 1701 لفترة طويلة، وها هي تكرسه اليوم بتوقيع لبناني رسمي.
لسنا بحاجة إلى استشراف لنعرف كيف تنتهي هذه المسرحية. يكفي النظر إلى اتفاق 2024: أكثر من عشرة آلاف خرق وعدوان إسرائيلي، ومئات الشهداء، وسبعة مواقع احتلال تجاوزت مهلة الستين يومًا وباتت تحصينات ثابتة - كل ذلك تحت سمع وبصر "آلية المراقبة" الأميركية (mechanisim) التي لعبت دور القرد: لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم.
والمفارقة أن اتفاق 2024 ذاته نصّ في مادته الرابعة على حق الطرفين في "الدفاع عن النفس". لكن هذا الحق ظل حكرًا على العدو الإسرائيلي وحده. فعندما ردّت المقاومة فجر 2 آذار 2026، لم تخرق الاتفاق، بل مارست حقها الذي يكفله النص ذاته؛ وهو الرد الذي كشف هشاشة "المعايير المزدوجة" للآلية الدولية، وفضح عقم المراهنة على "نزاهة" الرقابة قبل أن يجف حبر الاتفاق السابق. ومع ذلك، انتفضت الآلة الديبلوماسية الغربية ومعها حكومة الوصاية المحلية لإدانة "الخروقات" من جانب واحد فقط. فهل ننتظر نتيجة مختلفة هذه المرة؟
سادسًا - "الجماعات المارقة": تجريم المقاومة بتوقيع لبناني
توصيف حزب الله بـ"الجماعة المسلحة المارقة" في وثيقة توقّعها الحكومة اللبنانية هو الأخطر قانونيًا في هذا النص. ليس لأنه رأي سياسي بل لأنه إنشاء قانوني في وثيقة دولية - وله عواقب لا تُمحى.
هذا التوصيف يتناقض مع وثيقة الطائف التي استثنت المقاومة صراحةً من حل الميليشيات طالما الاحتلال قائم. ويتناقض مع الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي انضم إليه لبنان بقانون رسمي وينص على "حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الأجنبي".
يتناقض مع تفاهم نيسان 1996 الذي اعترف بالمقاومة طرفًا يملك إيقاف القتال واستئنافه. ويتناقض مع القانون الدولي الإنساني ذاته: البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف يُصنّف النزاعات ضد الاحتلال منازعات دولية مسلحة، وقرارا الجمعية العامة 2625 و3314 يُكرّسان حق تقرير المصير ويمنعان تجريم مقاومة الاحتلال.
حين تقبل الحكومة اللبنانية توصيف "المارق" في وثيقة أميركية-إسرائيلية، فهي لا تُعبّر عن رأي - بل تُقدّم للعدو ما عجز عن تحقيقه في كل حروبه: تجريم المقاومة بتوقيع لبناني. وهذا التجريم يُمهّد قانونيًا لأي تدخل مستقبلي تحت عنوان "إعادة إرساء السيادة".
سابعًا - الغائب الأكبر
الوثيقة تزخر بالتزامات لبنانية وتخلو من أي حق لبناني: لا انسحاب إسرائيلي كاملًا، لا ذكر لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا، لا أسرى، لا تعويضات، لا إعمار إلا كمنّة مشروطة بـ"إظهار لبنان قدرته على ممارسة سيادته." المعادلة الختامية: لبنان يُقدّم أوراق قوته مقدمًا، والعدو الإسرائيلي يحتفظ بورقة "الدفاع عن النفس" وتدخل في مفاوضات يعلم الجميع إلى أين تُفضي.
ليس أبلغ في وصف هذا المسار من شهادة الديبلوماسي الأميركي المخضرم روبرت مالي الذي شارك في عقود من مفاوضات "السلام" بتفويض من ثلاثة رؤساء أمريكيين. في كتابه "الغد هو الأمس"، يصف مالي مسار أوسلو والمفاوضات التي رعتها واشنطن بأنها تحوّلت إلى "مسرحية هزلية" (con game)، مفاوضات لأجل المفاوضات، مع انحياز أميركي دائم للطرف الإسرائيلي بينما كان المفترض أن واشنطن وسيط محايد. إذا كان هذا تقييم أحد صانعي هذه السياسات من الداخل، فماذا يتبقى لنا نحن الضحايا أن نقوله؟
ثامنًا - من فرض وقف النار فعلًا؟
الرواية الرسمية تقول إن الحكومة اللبنانية حققت وقف النار. الوقائع تقول غير ذلك. إيران أصرّت في إسلام آباد على إدراج لبنان شرطًا أساسيًا لاستمرار مفاوضاتها مع واشنطن. الضغط الإيراني هو الذي جعل ترامب يتصل بعون، لا العكس. وبحسب ما كشفه الدكتور حسين باك المرافق للوفد الإيراني المفاوض، فإن إيران وصلت مرات عدة إلى حافة إطلاق وابل صاروخي غير مسبوق، وحين حددت مساء 15 نيسان مهلة 24 ساعة لإيقاف العدوان على لبنان أو إعادة فتح جبهتها بكامل ثقلها - جاء القرار من واشنطن.
حتى المحللون الإسرائيليون وصفوا الأمر بأنه "خضوع مزدوج لإيران": ترامب قبل الربط الإيراني بين المسارين وترك المقاومة حية.
ما أنقذ لبنان "الرسمي" من هزيمة ديبلوماسية شاملة لم يكن "حنكة" الحكومة ورئيس الجمهورية - بل كان إصرار الوفد الإيراني في إسلام آباد، وثبات المقاومة الأسطوري في الميدان.
تاسعًا - ماذا بعد الأيام العشرة؟
الأيام العشرة مدخل لا هدف. الوثيقة تربط تمديد الهدنة بـ"إحراز تقدم في المفاوضات" وبـ"قدرة لبنان على ممارسة سيادته" - وهذا تعريف عملي محدد في البنود: هل تمنع الحكومة المقاومة؟ إن نعم، تستمر الهدنة. إن لا، تنتهي. وقف النار حُوّل بذلك إلى أداة ابتزاز لإجبار الحكومة على مواجهة مواطنيها - ما يعني صدامًا داخليًا محتومًا. والهدف البعيد ليس غامضًا: تحويل الدولة اللبنانية إلى كيان أمني تقتصر وظيفته على قمع المقاومة وضبط الشعب - على غرار دور السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. ما يُقدَّم على أنه "دعم للجيش اللبناني" لن يكون لمواجهة العدو الخارجي، بل لتنفيذ ما عجز العدو عن تحقيقه في كل حروبه.
ختامًا
هذه الوثيقة الأميركية هي خريطة حرب مُغلّفة بلغة السلام. تُعلن وقف النار وتُجيز الحرب في آنٍ واحد. تُلزم الحكومة بمحاربة مواطنيها المقاتلين كشرط لاستمرار الهدنة. وتُرسي في وثيقة دولية موقّعة مسلّمتين خطيرتين لن تمرّا: أن البلد "لبنان" والكيان "إسرائيل" ليسا في حالة حرب، وأن المقاومة "مارقة" يجب الحدّ منها. كل مفاوضات قادمة ستنطلق من هذين الأساسين - وهما أساسان باطلان لا يصبّان في مصلحة لبنان وبقائه.
اتفاق 17 أيار 1983 أُسقط لأن الشارع والميدان رفضا "التفويض المعيب". والوثيقة الحالية - التي تحمل العيب ذاته دستوريًا وقانونيًا ودبلوماسيًا - ستواجه المصير ذاته إن استمر الصمود. لأن الاتفاقات المبنية على اختلال في موازين القوى لا تصمد حين يتغير الميزان، والميزان تغيّر دائمًا حين أصرّ أصحاب الأرض على البقاء فيها والمقاومة.