فاطمة نعيم (صحيفة الأخبار)
لم يبدأ التاريخ بعد عملية 7 تشرين الأول (7 أكتوبر) التي قامت بها المقاومة الفلسطينية في غزة، بل يمتد تاريخ الصراع الإسرائيلي مع لبنان لعام 1948، وقبله في عدد من المحطات.
وهذا الصراع لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا مسجّلا في العديد من محطاته مجازر ارتكبتها دولة الاحتلال بحق المدنيين في لبنان. وقبل الخوض في أي مسار تفاوضي أو لقاءات مباشرة، تبرز ضرورة العودة إلى هذا التاريخ الطويل، واستحضار محطاته المفصلية، التي يمكن تقسيمها إلى مراحل متعاقبة بدأت مع حرب النكبة، وامتدت وصولاً إلى حرب 2026. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة، إذ تتيح قراءة أعمق لطبيعة السلوك الإسرائيلي في المنطقة ومساراته.
1948-1978: بداية الصراع وذرائع للقضاء على المقاومة الفلسطينية
1948: أولى حروب الجيش اللبناني ضد العدو الإسرائيلي
دخل لبنان الصراع العربي الإسرائيلي عام 1948، عقب انتهاء الانتداب البريطاني وإعلان قيام الكيان منتصف أيار 1948. وقتها، خاض الجيش اللبناني أول معركة ضد الجيش الإسرائيلي، وهي «معركة المالكية» بقيادة الملازم الأول الشهيد محمد زغيب بهدف استعادة قرية المالكية من العدو الذي قرر الاستيلاء عليها خشية من تقدم الجيش اللبناني في الجليل الأعلى عن طريقها. تمكّن الكيان لاحقاً من تثبيت سيطرته، وسويت القرية بالأرض عام 1949 وتمّ تأسيس مستعمرة «ماليكاه».
آلت الحرب إلى هزيمة عربية شاملة، رافقها نزوح نحو 100 ألف فلسطيني إلى لبنان، ما أسّس لواقع سياسي وأمني جديد في البلاد. إذ مهّد لانطلاق المزيد من العمليات الفلسطينية من لبنان باتجاه العدو الإسرائيلي، وهو ما استخدمته إسرائيل لاحقاً كذريعة متكررة لشنّ هجمات، حتى في الحالات التي لم تكن العمليات تنطلق من لبنان.
1968: هجوم إسرائيلي على مطار بيروت
في العام 1968، قامت وحدات كوماندوس إسرائيلية بتفجير 13 طائرة مدنية في بيروت في مطار بيروت، عبر زرع عبوات ناسفة، وكان من بين أعضاء هذه الوحدة بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الحالي. جاءت هذه العملية، بحسب زعم العدو، رداً على هجوم فلسطيني ضد طائرة تابعة لشركة «العال» الإسرائيلية في العاصمة اليونانية أثينا.
1972: عملية "فردان"
في أعقاب عملية ميونيخ التي قتل فيها لاعبي البعثة الأولمبية الإسرائيلية عام 1972 بعد اختطافهم من قبل مجموعة «أيلول الأسود» الفلسطينية للمطالبة بالإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، قام جيش العدو باغتيال ثلاث قادة من المقاومة الفلسطينية «فتح» بإطلاق الرصاص عليهم في بيروت، وهم كمال ناصر وكمال عدوان وأبو يوسف النجار.
وتشير وثائق لاحقة إلى أنّ لاعبي الأولمبياد الإسرائيليين قتلوا خلال تبادل إطلاق نار أثناء كمين نصبته الشرطة الألمانية للمجموعة الفلسطينية، بعدما تقرر توجهها مع المختطفين إلى دولة عربية.
1978: عملية الليطاني
شكّلت «عملية الليطاني» في 14 آذار 1978 تصعيداً كبيراً. حينها اجتاح جيش الاحتلال الإسرائيلي جنوب لبنان بنحو 25 ألف جندي. وأسفرت العملية عن استشهاد نحو 1160 لبنانياً و300 فلسطيني، إضافة إلى إصابة أكثر من ألفي شخص، ونزوح ما بين 100 ألف و250 ألف مدني.
وخلال هذه العملية، ارتُكبت ثلاث مجازر رئيسية:
● مجزرة العباسية (81 شهيداً)
● مجزرة الخيام (31 شهيداً)
● مجزرة كونين (29 شهيداً)
كما احتلت إسرائيل نحو 2020 كلم مربع من الأراضي اللبنانية، وأعلنت نيتها إقامة «حزام أمني» بعمق 10 كلم، إلا أنّ العمليات تجاوزت هذا الحد لتشمل كامل المنطقة جنوب الليطاني.
هذه العملية استخدمها الإسرائيليون كذريعة للتخلص من المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان وإقامة منطقة عازلة ردا على عملية «كمال عدوان» التي عملت سيطرت فيها مجموعة فدائية فلسطينية على حافلة عسكرية إسرائيلية، وقررت التوجه فيها إلى تل أبيب لمهاجمة مبنى الكنيست، بهدف الضغط على الاحتلال لإطلاق سراح بعض الأسرى الفلسطينيين. وقد كانت الشابة الفلسطينية دلال المغربي على رأس فرقة دير ياسين المؤلفة من 12 شخصا قد قادت هذه العملية التي خطط لها الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد).
ومهّدت هذه العملية لاجتياح عام 1982، على الرغم من صدور القرار 425 عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي دعا إلى انسحاب جيش الاحتلال من جنوب لبنان، وهو ما لم يُنفذ.
1982: عملية «سلامة الجليل» واجتياح بيروت
استخدمت إسرائيل ذريعة محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن، شلومو أرغوف في 3 حزيران عام 1982، لشن حرب واسعة على جنوب لبنان في 6 حزيران 1982. فيما كانت الأهداف الفعلية تشمل تدمير بنية منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة تشكيل النظام السياسي اللبناني، وتقليص النفوذ السوري.
انطلقت المعركة فعلياً في 4 حزيران 1982 بسلسلة غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع فلسطينية في بيروت والجنوب، وأسفرت عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين. وبعد يومين، في 6 حزيران، بدأ الاجتياح البري، حيث توغلت قوات مدرعة كبيرة مدعومة بالمشاة عبر الحدود، متجاوزة مواقع قوات اليونيفيل، وسيطرت سريعاً على مناطق واسعة وصولاً إلى الدامور.
في البقاع، اندلعت مواجهات مع القوات السورية، خصوصًا حول مواقع صواريخ «سام»، التي استهدفتها إسرائيل بغارات جوية مكثفة. شهدت سماء البقاع واحدة من أبرز المواجهات الجوية، إذ نفذت إسرائيل هجوماً واسعاً شاركت فيه عشرات الطائرات، نجحت خلاله في تدمير عدد كبير من بطاريات الدفاع الجوي السورية. شكل هذا التفوق الجوي نقطة تحول أساسية، إذ منح القوات الإسرائيلية حرية أكبر في التحرك وضرب الأهداف داخل الأراضي اللبنانية دون مقاومة جوية فعالة.
مع وصولها إلى بيروت، فرضت إسرائيل حصاراً شاملاً على العاصمة استمر نحو 70 يوماً. وقد تجاوز وزير الدفاع الإسرائيلي، حينها، أريئيل شارون الهدف المعلن لعملية «سلامة الجليل»، المتمثل في إبعاد قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى ما بعد 40 كيلومتراً عن الحدود، فوصلت قواته إلى بيروت وحاصرتها قرابة ثلاثة أشهر، تحت قصف بري وبحري متواصل، وقطع الماء والغذاء والكهرباء عن أهلها.
ورغم التفوق العسكري، لم تتمكن إسرائيل من حسم المعركة سريعاً داخل بيروت، لتنتهي المرحلة بخروج منظمة التحرير الفلسطينية تحت ضغط دولي، في حين فتحت العملية الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع الداخلي في لبنان.
مجازر في مدينة صيدا
"«كنّا هُنا، نائمين في ملجأ البنايّة بعد نهار عصيب لا ماء فيه أو كسرة طعام. هرعنا صارخين إلى الخارج، بعدما سمعنا أصوات انفجارات ضخمة هزّت الطوابق الكثيرة فوقنا. بدأ أطفالي ومعهم أبناء الجيران بالصراخ والبكاء (...)». شهادة إحدى السيدات اللواتي عايشن فترة الاجتياح في صيدا والمجازر الصهيونية بحق أبنائهم.
في إحدى الحوادث أمر الجيش الإسرائيلي الفارين من منازلهم بالتجمع عند الشاطىء، ثم أحضر رجال الاستخبارات الإسرائيليون مخبرين فلسطينيين ملثمين إلى موقع تجمّع المدنيين وطلبوا منهم وهم داخل سيارات أن يشيروا من خلال النافذة إلى مَن كانوا أعضاء في حركة فتح أو فصائل أخرى.
احتُجز المعتقلون الذين لا يقل عددهم عن 1000 معتقل تحت حراسة وحدة الاحتياط الإسرائيلية الأمر في أثناء انتظارهم للخضوع للاستجواب على يد رجال جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشين بت)، بينما تمركزت سيارات مصفحة وناقلات جند مزودة بمدافع رشاشة في زوايا ملعب كرة السلة الخارجي في المدرسة لتأمين الموقع.
بقي السجناء من دون ماء أو طعام تحت شمس حارقة جالسين القرفصاء، وأُجبروا على قضاء حاجتهم حيث جلسوا، حتى إنّ بعضهم شرب بوله يأساً. وزادت الظروف القاسية سوءاً مع الوقت، وازداد التوتر بين الجنود.
مجزرة صبرا وشاتيلا عام 1982
بعد غروب شمس يوم الخميس في 16 أيلول، وتحت إشراف قوات الاحتلال الإسرائيلي وحمايتها، دخلت إلى مخيم صبرا وشاتيلا ميليشيات يمينية لبنانية مسلحة، وراحت، على مدى ثلاثة أيام تقريباً، تقتل وتعذب كل من يصادفها، سواء أكان فلسطيني أو لبناني. حتى أنها اقتحمت مستشفى عكا في اليوم التالي، وقتلت عدداً من الأطباء والممرضات والمرضى الفلسطينيين المتواجدين فيه.
وقد تواصلت عمليات القتل 43 ساعة حتى الساعة حتى الواحدة ظهر السبت 18 منه وأدت إلى استشهاد أكثر من ثلاثة آلاف فلسطيني ولبناني. إذ تباينت المصادر حول عدد الشهداء الذي قدّر بين قدّر بين 4,000 و 4,500.
1993: حرب الأيام السبعة على لبنان
حرب الأيام السبعة أو حرب تصفية الحساب، هي حرب دامت لسبعة أيام اعتمد فيها جيش الاحتلال بشكل رئيسي على سلاح الجو، فعمل على تقطيع أوصال المناطق اللبنانية وعزلها عن بعضها البعض. كذلك أطبق حصاراً بحرياً على لبنان من خلال إغلاق المرافئ.
وقد أراد العدو الإسرائيلي في شنه لهذه الحرب أن يعيق تنامي قوة وقدرة حزب الله العسكرية واستهدافه لمستوطنات شمال فلسطين المحتلّة. بالإضافة إلى أنّه وقبل فترة من اندلاع الحرب قاد حزب الله والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عمليات ضد الاحتلال أدت إلى مقتل خمسة جنود إسرائيليين.
1996: عناقيد الغضب
بين 11 و27 نيسان، شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي عدواناً على لبنان أطلق عليه «عناقيد الغضب» بغية تحجيم قدرة حزب الله ووقف إطلاق صواريخ الكاتيوشا من جنوب لبنان نحو شمال فلسطين المحتلة.
وذلك بعد أن استهدفت المقاومة الإسلامية بالصواريخ مستوطنات «نهاريا» و«كريات شمونة» شمال فلسطين على ثلاث دفعات، رداً على استشهاد فتى يبلغ 14 عاماً بانفجار قنبلة في قرية برعشيت في 9 نسيان 1996.
بلغ إجمالي الغارات الإسرائيلية في هذه الفترة 139 غارة، ونزح نحو 500 ألف مواطن من الجنوب، وسط دمار هائل في البنى التحتية، حيث دمرت جسور ومحطات طاقة رئيسة، ووفقاً لتقرير منظمة الدفاع عن حقوق الانسان «هيومن رايتس ووتش» فإنّ 2018 بيتاً وبناية في جنوب لبنان امّا دمرت بالكامل أَو بشكل جزئي. وقدرت الخسارة الاقتصادية الكليّة للبنان بـ 500 مليون دولار.
انتهت الحرب بتفاهم نيسان في 26 من الشهر نفسه، برعاية أميركية وسورية، والذي نص على حماية المدنيين من الطرفين.
13 نيسان 1996: مجزرة «المنصوري»
في 13 نيسان 1996، وأثناء عملية «عناقيد الغضب» المعادية، تعرّضت سيارة إسعاف تابعة لكشافة الرسالة الإسلامية لغارة إسرائيلية مباشرة، أثناء توجهها نحو صيدا وعلى متنها 13 مدنياً، بينهم أطفال، كانوا يحاولون الفرار من القصف. وقد استهدفتها مروحية من طراز «أباتشي»، ما أدى إلى استشهاد سيدتين وأربع طفلات، إحداهن رضيعة.
في المقابل ادّعت إسرائيل أن السيارة كانت تُستخدم من قبل عناصر في «حزب الله»، وثّقت صحافية من وكالة «رويترز» الحادثة كاملة، حيث أظهرت اللقطات المصوّرة السيارة قبل استهدافها، ولحظة القصف، وما تلاه مباشرة، بما يؤكد بشكل واضح أنها كانت تقل مدنيين، بينهم أطفال.
1996: مجزرة قانا الأولى
في 18 نيسان 1996، ارتكب الاحتلال الإسرائيلي مجزرة قانا، إثر استهدافه المباشر لمقر تابع لقوات الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل)، كان قد لجأ إليه نحو 800 مدني، غالبيتهم من النساء والأطفال، من بلدات قانا وحاريص والقليلة، هرباً من القصف الإسرائيلي.
وقد أطلق الجيش الإسرائيلي عدداً كبيراً من القذائف، تجاوزت 15 قذيفة، بينها ذخائر فوسفورية، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 100 مدني، معظمهم من النساء والأطفال، في واحدة من أبرز المجازر التي شهدها جنوب لبنان خلال تلك المرحلة.
2006: حرب لبنان الثانية
بدأت حرب تموز أو حرب لبنان الثانية في 12 تموز 2006، بعد عملية «الوعد الصادق» التي نجح حزب الله فيها بأسر جنديين إسرائيليين عبر الحدود الشمالية، لمبادلتهم بمعتقلين في السجون الإسرائيلية. إلا أنّ تل أبيب رفضت وقررت خوض المعركة بقصف جوي تبعه توغل بري في جنوب لبنان.
انتهت الحرب بهزيمة إسرائيل وعدم قدرتها على تحقيق أهدافها بإزالة حزب الله، وبصدور القرار 1701الذي نصّ على وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بالتوازي مع تعزيز مهام اليونيفيل، إضافة إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية جنوب نهر الليطاني ومنع أي وجود مسلح خارج إطارها.
15 تموز 2006: مجزرة مروحين
استهدفت إسرائيل في 15 تموز 2006، سيارة «بيك أب» كانت تقل أشخاص يغادرون من قرية مروحين بعدما رفضت قوات الطوارئ الدولية استقبالهم بعد تحذيرات أطلقها الإسرائيليون، فاستشهد 22 شخصا في هذا القصف.
30 تموز 2006: مجزرة قانا الثانية
في 30 تموز 2006، استهدفت الطائرات الحربية مبنى من ثلاث طبقات في الخريبة في قانا، استشهد فيها 55 شخصاً، من بينهم 27 طفلا، بذريعة أنه يحتوي على منصة صواريخ تطلق على الكيان.
بالإضافة إلى هذه المجازر، وثّق تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش العديد من الانتهاكات والمجازر التي أقدم عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك مجزرتي صريفا ومجزرة الدوير وغيرها.
تعتبر معادلة الردع التي تبلورت بعد حرب تموز 2006 من أبرز التحولات الاستراتيجية في الصراع العربي الإسرائيلي، حيث انتقلت من حيز الدفاع السلبي إلى فرض قواعد اشتباك ميدانية صارمة. وتقوم هذه المعادلة على مبدأ أن أي اعتداء إسرائيلي على لبنان سيقابل بردٍ متناسب يطال العمق الإسرائيلي، محولةً بذلك الجبهة الداخلية للاحتلال إلى ساحة معركة أساسية لأول مرة. لم تعد القوة العسكرية وحدها هي المعيار، بل القدرة على إلحاق خسائر اقتصادية وبنيوية فادحة عبر سلاح الصواريخ الدقيقة، مما جعل تكلفة الحرب الشاملة باهظة جداً وغير مضمونة النتائج.
هذه المعادلة لم تحمِ الحدود الجغرافية فحسب، بل امتدت لتشمل حماية المدنيين والثروات البحرية، فارضةً واقعاً سياسياً وعسكرياً أجبر الجانب الإسرائيلي على التفكير ملياً قبل تجاوز الخطوط الحمراء، خشية الانزلاق إلى مواجهة تُحطم ما تبقى من صورة «الجيش الذي لا يقهر».
2023: إسناد غزة واجب أخلاقي
«نحن بالموقع الذي يجب أن نكون فيه»، بهذه الكلمات صرح الشهيد السيد هاشم صفي دين معلنا دخول حزب الله حرب الإسناد مع غزة وعدم الاصطفاف على الحياد في اليوم التالي لعملية طوفان الأقصى أي في الثامن من أكتوبر 2023.
دخل حزب الله الحرب دون أن يكسر قواعد الاشتباك بشكل كبير، مع تجنب الانزلاق إلى حرب كبيرة. وقد كانت الإطلالة الأولى للشهيد السيد حسن نصرالله في 9 تشرين الثاني ليعلن فيه عن ترابط ساحتي لبنان وغزة، رابطاً وقف إطلاق النار في لبنان بوقف العدوان على غزة.
أخذت الأمور تأخذ منحى تصاعدي في الاشتباك، حتى باتت إسرائيل توسع هجماتها وتكسر قواعد الاشتباك، فطالت غاراتها الضاحية الحنوبية لأول مرة منذ العام 2006، معلنة استهداف الشيخ صالح العاروري (أبو محمد) مع مجموعة من «كتائب القسام»، في منطقة المشرّفية في ضاحية بيروت الجنوبية بتاريخ 2 كانون الثاني 2024.
17 أيلول 2024: مجزرة البيجرز
بالرغم من أنّ القانون الدولي يحظر استخدام الأجهزة المتفجرة، ارتكبت إسرائيل أسوء مجزرة وجريمة حرب، طالت نساء وأطفالا ورجال إسعاف كانوا يتواجدون بالقرب من أجهزة «بيجرر» يحملها عناصر حزب الله.
ففي 17 أيلول 2024، انفجرت أجهزة «البيجر» بشكل متزامن، وتبعها بيوم واحد تفجير أجهزة اللاسلكي «ووكي توكي»، ما أدى إلى استشهاد 39 شخصا وإصابة أكثر من 3400 آخرين. قد أدت هذه التفجيرات إلى إصابات بليغة في الأيدي والأعين، حيث أفادت الأمم المتحدة بأنّه تمّ تسجيل 500 إصابات بليغة في العيون.
19 أيلول 2024: الهدف عودة سكان الشمال
في صبيحة يوم 19 من أيلول 2024، شنّ جيش الاحتلال موجتين واسعتين من الغارات الجوية الكثيفة شملت مناطق مختلفة من الجنوب، مدعياً استهداف 100 منصة إطلاق، وبُنى تحتية عسكرية لحزب الله، تضم 1000 فوهة لصواريخ كانت جاهزة فوراً للإطلاق.
رد حزب الله على هذه الغارات، في 22 أيلول 2024، مستهدفاً لأول مرة قاعدة عسكرية في حيفا، حيث أوقع إصابات بين الإسرائيليين وأضرار مادية كبيرة بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.
وفي صبيحة 23 أيلول 2024، وبينما الناس كانوا نيام في بيوتهم، شنّ جيش الاحتلال غارات واسعة طالت مناطق في البقاع والجنوب، معلنا بذلك عن إنطلاق عملية «سهام الشمال» التي استمرت 66 يوماً في حين أطلق عليها حزب الله حرب «أولي البأس».
27 أيلول 2024: السيد حسن نصرالله سيد شهداء الأمة
«لقد التحق سماحة السيد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله برفاقه الشهداء العظام الخالدين الذين قاد مسيرتهم نحوًا من ثلاثين عامًا، قادهم فيها من نصر إلى نصر مستخلفًا سيد شهداء المقاومة الإسلامية عام 1992 حتى تحرير لبنان 2000 وإلى النصر الإلهي المؤزر 2006 وسائر معارك الشرف والفداء، وصولًا إلى معركة الإسناد والبطولة دعمًا لفلسطين وغزة والشعب الفلسطيني المظلوم»، بهذا البيان، نعى حزب الله الشهيد السيد حسن نصرالله، بعدما استهدفته إسرائيل بغارة جوية باستخدام 80 إلى 85 قنبلة خارقة للتحصينات يزن كل واحدة منها طناً على مقر القيادة المركزية لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت.
وصلت أعداد النازحين، مع تصعيد هجمات إسرائيل لتطال الضاحية إلى أكثر من مليون نازح، وفي 1 تشرين الأول 2024، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي عن عملية برية ثبت على إثرها خمس نقاط في جنوب لبنان، لا تزال محتلة حتى يومنا هذا.
استمرت الحرب على لبنان حتى 27 تشرين الثاني 2024 وتخللتها أحداث كبيرة، حتى انتهت باتفاق 2024 الذي دخل حيز التنفيذ فجر الأربعاء في تمام الساعة الرابعة فجراً. نص الاتفاق على وقف الأعمال العدائية بين الطرفين مع حفظ حق الدفاع بين الطرفين وانسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجيا من جنوب لبنان، في مهلة لا تتعدى 60 يوماً.
2024-2025: الانتهكات الإسرائيلية لا تتوقف
لم تلتزم إسرائيل في الاتفاق، حيث تنوعت خروقاتها بين القصف الجوي وعمليات الاغتيال والخطف والتوغل البري غارات، بذريعة الأمن القومي الإسرائيلي. إذ يشير موقع ألما أنّ إسرائيل شنت 86 غارة خلال كانون الثاني 2026، 43 منها استهدفت مناطق شمال نهر الليطاني. وبالتوازي، ينفذ الجيش عمليات توغل على طول الحدود بشكل دوري مع جرف للمنازل المتبقة. بالإضافة إلى رش مبيدات سامة من طائرات عسكرية إسرائيلية كتهديد للموارد الطبيعية في لبنان. بالإضافة إلى مواصلة احتلالها لخمسة نقاط، وهي: حمامص، والدواوير، وجل الديب، وجبال البلاط، وجبال اللبونة.
كذلك طالت الاستهدافات المدنيين أيضا، إذ يذكر جميع اللبنانيين الأم أماني بزي التي شيّعت زوجها وأطفالها الثلاثة عقب استهدافهم في مدينة بنت جبيل في 21 أيلول 2025.
2026: دفاعا عن لبنان وشعبه
بعد 15 شهراً من الخروقات الإسرائيلية المستمرة تجاه لبنان، قررت المقاومة مجدداً الدخول في حرب ضد إسرائيل لتحصيل التزامها الكامل باتفاق 2024. ولكن، هذه المرة ضمن سياق إقليمي إذ في صباح 28 شباط 2026 شنت أمريكا وإسرائيل عملية عسكرية ضد إيران، قامت من خلالها باغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي سمتها إسرائيل «زئير الأسد» بينما سمتها أمريكا «الغضب الملحمي». في حين سمتها إيران «الوعد الصادق 4».
رد الحزب بعمليات «العصف المأكول» التي بدأها فجر 2 آذار 2026. إذ أعلن الحزب استهداف موقع «مشمار الكرمل» بدفعة من الصواريخ والمسيرات بجنوب مدينة حيفا، وذلك ثأراً لدماء الإمام الخامنئي ودفاعاً عن لبنان. رد الإسرائيلي على ذلك بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت في تمام الساعة الثالثة صباحا ثمّ أصدر أوامر بإخلاء قرى في الجنوب والبقاع ومن ثم لاحقا أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت. وفي 16 آذار أعلن الجيش الإسرائيلي عن بدء العملية البرية في الجنوب اللبناني للإقامة منطقة عازلة بهدف حماية أراضي الشمال.
8 نيسان: 100 هدف في 10 دقائق
شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي سلسلة من الغارات على مناطق تستهدف لأول مرة في الضاحية الجنوبية، وبيروت، وجبل لبنان، مستهدفا نحو 100 هدف في لبنان خلال 10 دقائق. وقد وصلت حصيلة الاعتداءات الإسرائيلية إلى 254 شهيداً و1165 جريحاً.
لم تضع حرب 2026 أوزارها بعد، بل لا تزال مستمرة، مسجّلة مزيداً من المجازر بحق اللبنانيين، ومراكمة فصول جديدة في تاريخ الصراع بين لبنان وإسرائيل. كما تعكس هذه الحرب نمطاً متكرّراً من الانتهاكات، حيث لم تلتزم إسرائيل بالمواثيق الدولية، وارتكبت العديد من الجرائم، مستندةً إلى ذرائع متجددة لتبرير اجتياح لبنان والسعي إلى تحقيق أهدافها فيه.