اوراق مختارة

الألعاب الإلكترونيّة… حين يتحوّل الترفيه الى خطر صامت

post-img

ربى أبو فاضل (صحيفة الديار)

بين "مريم" و"الحوت الأزرق" و " ببجي"، سلك أطفال ومراهقون طرقا رقمية معقدة، قادت بعضهم إلى إيذاء نفسهم ، وأحيانا إلى إلحاق الأذى بالآخرين، ضمن تحديات رقمية مشبوهة تدار من خلف الشاشات. العاب الكترونية يفترض أن تكون مساحة للترفيه، لكن في الحقيقة هي ادوات للموت عن بُعد، وسط غياب للرقابة والوعي.

مخاوف متكررة

فمن لا يتذكر الضحية الأولى لما عرف بـ"تحدي الحوت الأزرق" في لبنان، ليث ابن الـ16 عاما، الذي اندفع نحو شرفة منزله في منطقة رأس النبع عام 2018 ؟ تلك الواقعة دفعت الكثيرين إلى فتح الباب أمام تساؤلات جدية، حول تأثير هذا النوع من المحتوى على سلوك المراهقين، وحدود الأمان في العالم الرقمي.

ولا تقتصر المخاوف المرتبطة بالألعاب الإلكترونية على لبنان فقط، إذ شهدت دول أخرى حوادث أثارت جدلا حول تأثير العالم الرقمي على المراهقين. ففي تركيا تداولت وسائل إعلام حادثة لمراهق أقدم على إطلاق النار داخل مدرسته قبل أن ينتحر، وسط تقارير ربطت الواقعة بمحتوى رقمي وألعاب إلكترونية، من دون وجود تأكيد علمي حاسم لعلاقة سببية مباشرة.

هذه الحوادث سواء ثبت ارتباطها بالألعاب، أو بقيت في إطار التحقيقات والتكهنات، تعيد طرح السؤال نفسه أين ينتهي تأثير العالم الافتراضي؟ وأين تبدأ العوامل النفسية والاجتماعية الأخرى، التي قد تدفع المراهق إلى سلوكيات قصوى؟

الوضع النفسي

توضح المستشارة التربوية والنفسية في جمعية "إثراء لبنان" سمر رحمة، لـ"الديار" أن "الألعاب الإلكترونية لا يمكن اختزالها كسبب مباشر للعنف، إذ لا توجد أدلة علمية قاطعة على ذلك، بل هي نتيجة تداخل عوامل نفسية وعائلية واجتماعية"، لكنها تشير في المقابل إلى أن "الخطر يكمن في طبيعة بعض الألعاب ،التي تعتمد على التواصل المباشر مع غرباء عبر هويات افتراضية".

وتضيف ان "الاستخدام المفرط قد يؤدي إلى توتر، واندفاعية اضطرابات في النوم، وتراجع في القدرة على ضبط الانفعالات، إضافة إلى احتمال تطور حالة تعلق أو إدمان، حيث يلجأ المراهق إلى اللعبة كوسيلة للهروب من الضغوط اليومية".

وتلفت إلى "أن هذا النمط من الاستخدام، قد ينعكس على السلوك الاجتماعي للأطفال، بحيث تتراجع قدرتهم على التفاعل الواقعي، وحل النزاعات وبناء العلاقات المباشرة، مقابل تعزيز التواصل داخل العالم الافتراضي"، كما تشير إلى أن "التعرض للتنمر الإلكتروني، أو التفاعل مع محتوى سلبي داخل هذه البيئات، قد يعمق الشعور بالعزلة، ويزيد من هشاشة الحالة النفسية لدى بعض المراهقين".

الحماية بين الرقابة وبناء الثقة

وتشدد على أن "الحماية لا تعني المنع الكامل، بل تقوم على المراقبة الواعية وتنظيم الوقت" ، مؤكدة أن "بناء علاقة ثقة بين الأهل والأبناء أساسي، ليشعر الطفل او المراهق بالأمان في التعبير عما يواجهه داخل العالم الرقمي".

وأضافت "من المهم تعزيز ثقة الطفل بنفسه، ومراقبة التغيرات السلوكية مثل العزلة، الغضب الشديد، القلق أو تراجع الأداء المدرسي، لأنها قد تكون مؤشرات تستدعي الانتباه المبكر"، ودعت إلى "شراكة بين الأسرة والمدرسة والبلديات في حملات توعية رقمية، نظرا إلى تفاوت وعي الأهل بطرق التعامل مع هذا النوع من المخاطر".

بين واقع رقمي متسارع وغياب الأطر المحلية المنظمة، يبقى التحدي الحقيقي ليس في منع التكنولوجيا ، بل في فهمها وتنظيم استخدامها، ومرافقة الأطفال داخلها، بدل تركهم وحدهم في فضاء افتراضي مفتوح لا يعترف بالحدود.

اشارة الى ان منظمة الصحة العالمية تؤكد أن "اضطراب الألعاب الإلكترونية"، يعد حالة صحية نفسية محتملة، في حال الاستخدام القهري والمستمر، عندما يبدأ بالتأثير على الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية والدراسة، ما يستدعي الانتباه وليس التعميم.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد