علي نور الدين (صحيفة المدن)
بعد عقودٍ من التسويف والمماطلة، من المفترض أن يفتتح رئيس الحكومة اللبنانيّة نوّاف سلام العمل بمطار القليعات صبيحة اليوم السبت، لتنطلق عجلة تجهيز وتشغيل هذا المطار. ووفق المعلومات، وبعد أقل من 48 ساعة من افتتاح المطار صباح اليوم، وتحديدًا في صباح يوم الاثنين المقبل، ستبدأ شركة "سكاي لاونج" -الفائزة بالتلزيم- عمليّة تجهيز المطار، استعدادًا لتشغيله في التاسع من شهر أيلول المقبل. وبهذا الشكل، يمكن القول أن مطار القليعات سيكون حاضرًا للعمل واستقبال الرحلات التجاريّة خلال ثلاثة أشهر من اليوم، ليكون لدى لبنان رسميًا مطار مدني قيد التشغيل في محافظة عكّار.
في هذا المقال، تلخّص "المدن" التفاصيل الاستثماريّة والتشغيليّة الكاملة، المرتبطة بعقد التلزيم.
عقد التلزيم
استناداً إلى المعلومات التي حصلت عليها "المدن" من مصادر حكوميّة، ستنحصر علاقة الدولة اللبنانيّة بشركة "سكاي لاونج" وحدها، بحسب نتائج جلسة المزايدة العموميّة الخاصّة بتلزيم تجهيز واستثمار وتشغيل المطار. وعلى هذا النحو، لن يكون لشركة "ميز" -التي يديرها محمّد الحوت- أي علاقة بهذا العقد، وهو ما ينفي التسريبات الإعلاميّة التي ربطت التلزيم بشراكة ما بين "سكاي لاونج" وشركة "ميز".
وفي التفاصيل، وبحسب مضمون العقد الذي اطلعت على تفاصيله "المدن"، ستمتد فترة التلزيم لأربع سنوات متواصلة، على أن تكون حصّة الدولة اللبنانيّة 10 بالمئة من صافي الأرباح التي ستحصل عليها الشركة من التشغيل، على أن لا تقل الرسوم التي ستتلقاها الدولة خلال تلك الفترة عن مليون و11 ألف دولار أميركي، موزّعة على السنوات الأربع. غير أنّ العقد نفسه يمنح الشركة إعفاءات محدّدة من النسبة المحدّدة في العقد، مقابل إنجاز عمليّات التجهيز في المطار وفق جدول زمني محدّد، وخلال 90 يومًا من تاريخ الافتتاح.
ووفق المصادر نفسها، ستحصل الدولة اللبنانيّة -بالإضافة إلى هذه النسبة- على الضرائب والرسوم التي يفترض أن تخضع لها الشركة المشغّلة، والشركات المتعاقدة معها من الباطن، فضلاً عن شركات الخدمات التي ستعمل في المطار ومحيطه.
ومن الناحية العمليّة، ستمتلك شركة "سكاي لاونج" الهامش الخاص لتحديد كيفيّة استثمار المطار، وفق رحلات نقل للركاب أو رحلات شحن تجاري، كما ستمتلك حريّة التعاقد مع شركات الطيران التي تختارها لتنظيم هذه الرحلات. وبما أنّ للدولة نسبة محدّدة من الربح، مع حد أدنى مضمون، فسيكون على الشركة اختيار النموذج الأفضل الذي يُحقق أعلى عائد من استثمار وتشغيل المطار.
الفرص التنمويّة
أمّا من الناحية التنموية، فيكتسب هذا الحدث أهميّة استثنائيّة بالنظر إلى نوعيّة المشاكل التي تعاني منها محافظة عكّار بالتحديد. فهذه المحافظة سجّلت أعلى نسبة فقر على الإطلاق، مقارنة بجميع المحافظات اللبنانيّة الأخرى، بنسبة تناهز 62 بالمئة. كما تسجّل هذه المحافظة أدنى نسبة مشاركة للسكان في النشاط الاقتصادي، وأعلى مستوى بطالة في صفوف النساء. وهذا ما يبرز حاجة المحافظة إلى مشاريع تسمح برفع نسبة المشاركة المحليّة في سوق العمل.
وفي الوقت نفسه، سيسمح المطار لمنطقة عكّار بلعب دور يتجاوز دورها الحالي كمنطقة طرفيّة تعتمد على التحويلات والزراعة. إذ سيمهّد المشروع لتحويل المنطقة إلى عقدة لوجستيّة إقليميّة تربط ما بين لبنان ومنطقة شرق المتوسّط، خصوصًا لكون المطار يقع على بُعد بضعة كيلومترات فقط من الحدود السوريّة، كما يبعد نحو 25 كيلومتراً فقط عن مرفأ طرابلس، وهذا ما يمنحه أفضليّة لوجستيّة لا يملكها أي مطار آخر في لبنان.
وعلى المدى البعيد، يمتلك المطار فرصة ليكون منصّة خدمات خلفيّة، ومركزًا لوجستيًا للأسواق السوريّة الشماليّة والوسطى، عند تسارع وتيرة عمليّة إعادة الإعمار في سوريا. كما يملك المطار فرصًا خاصّة في مجال الشحن التجاري، نظرًا لقربه من الأنشطة الزراعيّة القائمة في منطقة عكّار، ما يفتح باب التصدير الجوّي للمنتجات الزراعيّة الطازجة باتجاه الخارج، بكلفة تقل عن كلفة تصديرها عبر مطار بيروت الأبعد من الناحية الجغرافيّة.
اتفاقيّة مؤسسة التمويل الدوليّة
ومن المهم الإشارة إلى أنّ الحكومة اللبنانيّة كانت قد أطلقت يوم الخميس الماضي مسار الشراكة مع القطاع الخاص، لإدارة وتشغيل مطاري رفيق الحريري الدولي والقليعات، عبر اتفاقيّة مع مؤسّسة التمويل الدوليّة. ووفق تلك الاتفاقيّة، من المفترض أن تُعد المؤسّسة الدراسات الفنيّة والماليّة ودفاتر الشروط، بالإضافة إلى التواصل مع كبار مشغلي المطارات الدوليّة، لاستقطاب الاستثمارات في هذا المجال. وهذا ما طرح أسئلة حول علاقة عقد التلزيم الحالي مع هذا المسار، وإمكانيّة حصول تضارب ما بين المسارين، خصوصًا أن الحكومة لزّمت تجهيز وتشغيل مطار يفترض أن يخضع للشراكة لاحقًا بموجب هذه الاتفاقيّة.
مصادر حكوميّة متابعة لهذا المسار تفيد بأنّ الدولة اللبنانيّة أصرّت على شمول مطار القليعات، ضمن المسار الذي يشمل مطار بيروت الدولي، والذي يتمتّع بجاذبيّة استثماريّة كبيرة، وذلك بهدف ضمان تلزيم مطار القليعات لاحقًا بشروط استثماريّة أفضل إلى جانب مطار بيروت الدولي. وأشارت المصادر إلى أنّ المسار المُتفق عليه مع مؤسّسة التمويل الدولي سيحتاج إلى فترة زمنيّة طويلة للتنفيذ، بانتظار إعداد الدراسات والشروط والتواصل مع المستثمرين، وتوفّر الظروف الأمنيّة والسياسيّة اللازمة لمشروع كبير بهذا الحجم. وقد يحتاج تنفيذ هذا المشروع لعدّة سنوات.
وبهذا الشكل، ووفق المصادر نفسها، يتكامل المشروع الحالي مع المشروع الطويل الأمد المتفق عليه مع مؤسّسة التمويل الدوليّة. إذ سيوفّر عقد التلزيم الحالي نموذجًا لكيفيّة تجهيز واستثمار المطار حاليًا، كما سيُظهر إمكاناته المستقبليّة، وهذا ما قد يزيد من شهيّة المستثمرين عند عرض المطار للشركة مع القطاع الخاص على المدى الأبعد بحسب المسار المتفق عليه مع مؤسسة التمويل الدوليّة.