أوراق ثقافية

"مذكراتي الأخيرة".. حكاية المناضلة الجزائرية لويزة إغيل أحريز

post-img

يعيد وثائقي "مذكراتي الأخيرة" صياغة مسيرة المناضلة الجزائرية لويزة إغيل أحريز (1936)، ومسارها الذي توهج بعدما تجرأت على كشف الممارسات البشعة للاستعمار الفرنسي بحق المناضلات الجزائريات في السجون. تمثّل أحريز تجربة نضالية لامرأة جزائرية واجهت الاستعمار الفرنسي وكافحت من أجل الحرية واستقلال الجزائر.

من خلال حكايتها، يكشف "مذكراتي الأخيرة" عن جانب آخر من بشاعة الاستعمار بحق الإنسان، والانهيار الأخلاقي الكبير الذي تتأسس عليه المنظومة الاستعمارية التي لم تتوان عن استخدام التعذيب وكل الممارسات غير الأخلاقية بحق المناضلين من أجل القضية الوطنية.

"كنت أتعرض للاغتصاب كل يوم في السجن". بهذه الكلمات القاسية التي تعبر عن ندوب وجروح مؤلمة، تصرخ المناضلة أحريز بهذه الإدانة بحق فرنسا الاستعمارية.

سيعرض "مذكراتي الأخيرة" للمرة الأولى للجمهور في مهرجان سينما البحر المتوسط بعنابة، شرقي الجزائر، غدًا. وفيه، تستعيد المناضلة أحريز، برغم تقدمها في العمر، كل التفاصيل لتوضيح الصورة للأجيال الجديدة، والقسوة البالغة للاستعمار، والبشاعة التي كان يُعامَل بها الجزائريون، ومصاعب الحركة النضالية في الجزائر.

تركز أحريز عبر الفيلم على مسألتين: الأولى حجم التضحيات الفردية والجماعية التي بذلها الشعب الجزائري لأجل نيل الحرية والاستقلال، والثانية التأكيد على أهمية هذا الاستقلال وضرورة الحفاظ عليه تحت أي ظرف كان، وعدم التفريط في هذا المنجز الوطني والتاريخي الذي حققه المناضلون في ثورة التحرير.

تشرح أحريز في هذا الوثائقي ظروف انخراطها في الحركة الثورية وإسهامها في نقل القنابل والأسلحة، لتقدم بذلك صورة أوضح لإسهام المرأة الجزائرية التي لم تتأخر في كل مراحل المقاومة. ويبرز العمل المستوى المتقدم لمشاركتها في مكافحة الاستعمار، وكشف زيف كل السرديات التي بنت عليها فرنسا تاريخها الاستعماري، بزعم أنها كانت بصدد نقل الحضارة إلى الجزائر وشعوب الضفة الجنوبية من المتوسط.

يضع "مذكراتي الأخيرة" المرأة الجزائرية في قلب معركة التحرير، ويعيد صياغة وتقديم نماذج قياسية في النضال والمقاومة للمرأة، تتفوق على كثير من التجارب المكرسة إعلاميًا في العالم. تقول أحريز: "في أول نوفمبر (تشرين الثاني) عند اندلاع الثورة، قال لي والدي: أنت وشقيقتك مليكة يجب أن تكونا في خدمة جيش التحرير"؛ فقد كان والدها مناضلًا.

انخرطت أحريز في صفوف الثورة في العاصمة الجزائرية، وسمّت نفسها ليلى، قبل أن تعتقلها سلطات الاستعمار الفرنسي عام 1957، في معركة في منطقة الشبلي قرب العاصمة الجزائرية، إذ نقلت إلى سجن في فرنسا حتى فبراير/شباط 1962، لكنها تمكنت من الفرار بمساعدة شخص فرنسي، وعادت إلى الجزائر بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين جبهة التحرير وفرنسا في 19 مارس/آذار 1962. تقول: "لم أكن أبدًا أصدق أنني سأعيش إلى ذلك اليوم. وبالرغم من مشاعر الفرحة العارمة التي تملكتني، إلا أن الذاكرة عادت بي إلى الوراء حيث استرجعت صور زملائي الذين استشهدوا".

خلال اعتقالها، تعرضت لشتى أنواع التعذيب. في عام 2000، قررت أن تخرج عن صمتها، لتقدم شهادة عن التعذيب، وتكشف جرائم التعذيب والاغتصاب التي مورست في حقها وفي حق كثيرات من الجزائريات، وظلت مصرة على المضي في المسعى نفسه الرامي إلى مقاضاة جنرالات الجيش الفرنسي الذين أشرفوا على التعذيب ومارسوا الإبادة ضد المناضلين والشعب الجزائري كله إبان الثورة. وسعت أحريز في مرحلة سابقة إلى نقل وتدويل قضية تعذيبها بالنظر إلى بشاعة ما تعرضت له في سجون المستعمر. بهذا، نقلت المعركة القضائية إلى فرنسا لملاحقة الجلادين، وفي مقدمتهم الجنرال بول أوساريس، لفضح الممارسات الاستعمارية.

تقول أحريز في شهادتها الموثقة إن "غرض الاستعمار كان واضحًا، وطرقه المستعملة تعكس همجيته واحترافه للإجرام، وإن آثار التعذيب التي تحملها أجسام المجاهدين الذين اقتيدوا إلى السجون ومراكز التعذيب خير دليل على ذلك. لكن المستعمر لم ينجح في تحقيق غرضه في إخماد الثورة بالرغم من أساليب التعذيب الهمجية التي كان يستعملها، لأن الشعب الجزائري برمته كان يحمل القضية التحررية في وجدانه". ويستعين "مذكراتي الأخيرة" بالرسوم ثلاثية الأبعاد لدعم المضمون وتقريب المعنى، كما يستعين بمحامين وكتاب ممن اهتموا بقضية أحريز لشرح مسيرتها وتشكل قناعاتها النضالية، ومواصلتها النضال ضد الجلادين الفرنسيين بعد الاستقلال.

يصف منتج ومعد الفيلم محمد والي هذا العمل بأنه يشكّل وثيقة صارخة في وجه النسيان، وإدانة متجددة للاستعمار. يقول والي، لـ"العربي الجديد"، إن الفيلم "شهادة تربك فرنسا وتهز الرأي العام الفرنسي؛ فبعد عقود من الصمت، تعود المناضلة لويزة إغيل أحريز إلى الواجهة، حاملةً ذاكرة مثقلة لا تزال تفاصيلها تنبض بالألم". ويتابع: "في عمرٍ متقدم، تختار فتح صفحاتٍ ظلت مغلقة طويلًا، لتضع صوتها في مواجهة تاريخٍ لم يُحسم بعد. بين البوح والألم، يرسم الفيلم مسار امرأة تقاوم النسيان وتستعيد حضورها شاهدًا حيًا على مرحلة مفصلية. عملٌ إنساني عميق يضع المشاهد أمام تساؤلاتٍ حارقة، ويترك أثرًا لا يُمحى في الذاكرة".

يؤكد والي أن تصوير وثائقي مع سيدة ومناضلة تعرضت لكل أنواع التعذيب ومحاولات الإذلال التي واجهتها بصمود نضالي كبير، ليس سهلًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بامرأة ومستعمر تنصل من كل الأخلاق والقيم: "من أصعب اللحظات التي مررت بها كانت أثناء الاستماع إلى شهادات التعذيب وما رافقها من انتهاك لكرامة المرأة في أقسى صوره". ويضيف: "لويزة، رغم بلوغها التسعين، ما زالت تتذكر التفاصيل بدقة مؤلمة. التعذيب انتهى منذ زمن، لكن آثاره بقيت تلازمها طوال حياتها؛ فكلما أغمضت عينيها تستعيد تلك المشاهد يوميًا. هذه الشهادات، التي كان يقطعها البكاء، أثّرت فيّ وفي كامل الفريق".

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد