يقدّم الباحث والأكاديمي البريطاني إيال وايزمان، مدير منظمة الهندسة المعمارية الجنائية، قراءة بحثية موسّعة في كتابه الجديد زعزعة "أسس هندسة الإبادة" (بنغوين، 2026)، الذي يقترب من قطاع غزة من زاوية غير مألوفة تقوم على تفكيك البنية المكانية للصراع، حيث يقارب المكان من زاوية الفاعلية. ينطلق الكتاب ممّا يسمّيه المؤلف "الجغرافيا العميقة" للقطاع، وفي هذا الإطار، يظهر المكان كشبكة معقدة من الطبقات المتداخلة: أنفاق تحت الأرض، وبنية تحتية، وحواجز عسكرية، ومستوطنات، تتقاطع جميعها ضمن سياق سياسي وتاريخي يصعب فصل مكوناته. ومن هنا يبرز طرحٌ أساسي في الكتاب، مفاده أن فهم العنف يتطلب قراءة شكل الأرض التي يجري فوقها.
يمتد التحليل الذي يقدمه وايزمان من النكبة عام 1948 وصولًا إلى الحرب الإبادية الأخيرة، في محاولة لتتبع التحولات التدريجية التي أصابت المكان عبر عقود من التهجير وإعادة التشكيل العمراني. ويعتمد في ذلك على أدوات بصرية دقيقة تشمل الخرائط والصور الجوية والرسوم البيانية، لتوثيق مسار طويل من إعادة إنتاج الفضاء بما يخدم سياسات السيطرة، وصولًا إلى واقع يصفه بأنه يجعل غزة "غير صالحة للحياة".
يفكّك الكتاب العلاقة بين العمارة والسلطة، موضحًا كيف يمكن أن تتحول البنية التحتية والتخطيط العمراني إلى أدوات ضمن منطق الصراع. فالمشهد الظاهر، وفق هذه القراءة، ليس سوى جزء من بنية أعمق تعمل على مستويات متعددة، فوق الأرض وتحتها، وتؤثر بشكل مباشر في تفاصيل الحياة اليومية. ويؤكد وايزمان أن العلاقة بين القوة والمكان ليست ظرفية، بل تراكمية، حيث تتداخل السياسات العسكرية مع التخطيط العمراني لتنتج واقعًا ماديًا جديدًا. ويشير إلى أن هذا التراكم التاريخي، وفق تحليله، أدى إلى نتائج وصفها بأنها ترقى إلى مستوى "الإبادة الجماعية"، مستندًا إلى مواد توثيقية واسعة تشمل صورًا وشهادات وبيانات ميدانية.
في هذا السياق، يبرز دور منظمة "الهندسة المعمارية الجنائية" التي يقودها، وهي فريق بحثي متعدد التخصصات يعمل على تحليل وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان وأعمال الحرب الاستعمارية التي تخوضها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني باستخدام أدوات معمارية وجغرافية وتقنيات تحقيق رقمية. وقد شارك الفريق في تحقيقات دولية مرتبطة بالقضية الفلسطينية أمام محكمة العدل الدولية منذ عام 2023، من خلال إعادة بناء مشاهد الأحداث اعتمادًا على الأدلة البصرية والمصادر المفتوحة.
يتميّز منهج وايزمان بتعامله مع العمارة بوصفها أداة تحليلية تتجاوز البعد الجمالي أو الهندسي، حيث تُقرأ المباني والفراغات العمرانية بوصفها وثائق تكشف أنماط السيطرة والعنف. ومن خلال هذا المنظور، تتحول تفاصيل المكان، من الشوارع إلى البنية التحتية، إلى عناصر قابلة للتحليل، تعكس كيفية تنظيم الحياة تحت الضغط السياسي والعسكري.
يمتد هذا النهج إلى مسيرة وايزمان الأكاديمية، إذ يُعد من أبرز الباحثين في العلاقة بين العنف والبيئة العمرانية. وقد حصل على وسام الإمبراطورية البريطانية، ويشغل مناصب أكاديمية في مؤسسات دولية، كما أسهم في تأسيس مبادرات بحثية مثل "نزع الاستعمار عن العمارة"، التي سعت إلى إعادة التفكير في العلاقة بين المعرفة المعمارية والسياقات الاستعمارية في الأراضي الفلسطينية. وبينما يقدّم الكتاب الجديد نفسه بصفته عملًا بحثيًا معمّقًا، يفتح أيضًا بابًا أوسع للنقاش حول كيفية قراءة الصراعات من خلال الفضاء المادي. فالمكان، في هذا الطرح، لا يُختزل في كونه مسرحًا للأحداث، بل يصبح نصًا مفتوحًا يحمل آثار التاريخ والسياسة والعنف الاستعماري، ويمكن قراءته وتحليله بوصفه شاهدًا على ما جرى.