اوراق مختارة

يدكِ... يا آمال

post-img

مهى زراقط (صحيفة الأخبار)

هذه يدكِ على رأسك يا آمال. حاولتِ أن تحميه بها من السقف الذي أسقطه عليك صاروخ الطائرة الحربية الإسرائيلية. لم ينجحوا في إسدالها، وهم يحضّرون جثمانك للدفن.

ستنامين في القبر ويدكِ على رأسك. ولو تعرفين كيف كنا نعلّق على يدكِ، وأصابعها، ضاحكتين راجانا وأنا. الأصابع التي لم تتجاوز أظْفارها اللحم يوماً، كانت تلامس العالم كلّه من شاشة هاتف صغيرة، صار هو أداة عملكِ الكاملة. تكتبين بها الأخبار العاجلة، كما التقارير المُطوّلة. تردّين بها على رسائل الكثيرين، فيما تكملين حديثك مع مجالسيكِ معتذرة: «خبر عاجل لازم حرّره وابعته»، أو «خليني خبّرهم إني رح أتأخر عندك»، أو... كأن يدكِ لم تكن لكِ وحدك. كانت للآخرين أكثر، لكلّ من ينتظر منكِ كلمة.

هذه يدكِ على رأسك يا آمال. أدلّ راجانا إليها، وهي تلقي على جثمانك نظرة الوداع الأخيرة. لم أكن أُريها، ولا أعيد رؤية، كيف متِّ، بل كيف ستبقين. أصرَرْتُ أن أراكِ في صورتك الأخيرة أكثر من مرة، وأنا أدرك أن عينيكِ المتورّمتين بالأزرق، لن تمحوَا ابتسامتك الجميلة التي لطالما زيّنت وجهك، ولا يدكِ التي لم تنخفض يوماً.

لا أذكركِ باكية، حتى في ساعات حزنك وتعبك. لم أرَ يدك يوماً تمسح دموعك. وكأنّك ادّخرتِها لوسادتك، أو لقططك التي توارت أمس. تلك القطط، التي حمل بعضها أسماء أصدقائك، لم تتجمّع تحت شجرة الحامض ملاحقةً يدكِ وهي توزّع عليها الطعام، بعدلٍ، مانعة القويّ من سلب حصة الضعيف.

تمدّين يدك، المفتوحة كحياتك، كتاباً أبيض إلى الجميع. لا أسرار لديك، لا عامة ولا خاصة. قلتِ كلّ شيء، عن كلّ شيء واجهته، حتى إنّي كنت متأكدة أنّك ستعودين، رافعة علامة النصر بيدكِ، لتكملي الحكاية وتخبرينا ما حصل في اللحظات الأخيرة. لكنكِ تركتِ يدكِ لتفعل ذلك.

لم تسارع يدك إلى مقود سيارتك، وتختار النجاة بعد استهداف السيارة التي كانت تسبقك، بل امتدّت لتطلب الإسعاف للشابين اللذيْنِ استشهدا أمامك، ولتطلب من زملائك نشر الخبر العاجل. لم يخفك الاستهداف، بقدر ما أخافك غياب الحقيقة.

هذه اليد التي استعنتِ فيها بكلّ شيء، بقيت متمسّكة برأسك، لتخبرنا التتمة. هذه اليد التي ارتفعت لتحميكِ، على جري عادتها، هي نفسها التي كتبت قصص أهل الجنوب الذين أحبّوك حتى صرتِ فرداً من كلّ عائلة. قدم المئات لوداعك أمس في بلدتك البيسارية، وكثيرون منهم لا يعرفون إلا يدكِ التي كتبت أسماءهم واحداً واحداً.

ستنامين، ويدكِ تحرس رأسك في قبر استظلّ صنوبرة، ستحرس الحكاية.
ستنامين، ويدكِ على رأسك، تذكرنا أنّك لن تصبحي خبراً عاجلاً. لأنّ يدكِ، التي لم تنخفض، لم تكتب الخبر الأخير.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد