علي نور الدين (صحيفة المدن)
جاءت الحرب، على المستويين المحلّي والإقليمي، في توقيت حسّاس اقتصاديًا وماليًا، بالنسبة للبنان. فالبلاد كانت لا تزال تعاني تبعات الأزمة المستمرّة منذ أواخر العام 2019، بتجلياتها المصرفيّة والماليّة والنقديّة. والحكومة اللبنانيّة كانت تترقّب إنجاز الإصلاحات المطلوبة، للعبور نحو اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي، ما قد يسمح لاحقًا بالانتقال إلى مرحلة إعادة هيكلة الديون السياديّة. غير أنّ الحرب خلطت الأدوار، بضغوطها التضخميّة، وتأثيراتها على حركة التحويلات الماليّة، والنفقات العامّة غير المتوقّعة.
"المدن" قابلت وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، للوقوف عند آخر الإجراءات والخطط التي وضعتها الحكومة اللبنانيّة، للتعامل مع المستويات الاقتصاديّة لتداعيات هذه الحرب.
كيف تقيّمون تأثيرات الحرب على المؤشرات الاقتصاديّة الأساسيّة في لبنان؟
لا يوجد شكّ بأنّ ما جرى كان صدمة اقتصاديّة ضخمة وموجعة. لدينا دراسات أوليّة تفيد بأنّ حجم الخسائر الاقتصاديّة يوازي ما بين 5 و7 بالمئة من الناتج المحلّي. هذه الخسائر الضخمة، التي تراكمت خلال خمسة أسابيع من التصعيد، توازي بحجمها كل الخسائر التي تحمّلها لبنان طوال العام 2024، بفعل الحرب التي حصلت وقتها، ما يدل على حدّة خسائر الحرب الراهنة. وهذا يُضاف طبعًا إلى الخسائر الماديّة بفعل الدمار، والتي يصعب تقديرها بشكل دقيق الآن، لكنّ قيمتها تُقدّر بمليارات الدولارات. أمّا النزوح، فيمثّل عبئاً اجتماعياً كبيراً، فضلاً عن كلفته على الخزينة، التي تقدّر بحدود 100 مليون دولار أميركي شهريًا.
أمّا الصدمة الأهم، فهي الصدمة التضخميّة، التي تمس بجيب المواطن. المستهلك اليوم يتحمّل الزيادة في أسعار البنزين والمازوت والكهرباء، وحتّى الخبز بفعل زيادة الكلفة. هذه الصدمات، الخسائر الاقتصاديّة والبطالة والدمار وكلفة الإغاثة والتضخّم، كلّها تشكّل ضربة موجعة للاقتصاد اللبناني، الذي بالكاد بدأ بالنهوض عام 2025، قبل أن يتلقى الضربة الحاليّة.
ما هي خلاصات المشاركة اللبنانيّة في اجتماعات الربيع في واشنطن؟
إذا نظرنا إلى النصف الملآن من الكأس، الإيجابيّة تكمن الآن في تفهّم الشركاء في الخارج لخطورة الأزمة الاقتصاديّة التي يمر بها لبنان، فضلًا عن وجود النيّة للمساعدة. ولسان حالهم يشير إلى وجود النيّة لتقديم الدعم الاقتصادي، في حال ساعد لبنان نفسه عبر القيام بالإصلاحات المطلوبة. أمّا على المستوى الإغاثي، فهناك اتّجاه أوضح لدعم لبنان.
لكن في المقابل، علينا أيضًا الأخذ بعين الاعتبار بأنّ الكثير من الدول العربيّة تمرّ بظروف اقتصاديّة ضاغطة، ما يشير إلى أنّ حجم الدعم المرتقب من هذه الدول لن يكون بحجم الدعم الذي انتظرناه في العام 2024. إذًا، الالتزام من جانب المجتمع الدولي موجود، والإيجابيّة موجودة، خصوصًا في الموضوع الإغاثي. لكن علينا أن نكون صريحين، بالنظر إلى الظروف الاقتصاديّة في الدول العربية، والمتطلّبات الموجودة على مستوى الإصلاحات، قد لا يكون الدعم بالحجم المنتظر، أو بالسرعة التي نتصورها.
كيف تقيّمون الاهتمام الدولي بلبنان، مالياً واقتصاديًّا، خلال الحرب؟
هناك تفهّم وترحيب بالجهد الذي بذلته الحكومة على مستوى الإصلاحات، منذ العام الماضي، والذي تمثّل في خطوات مثل إقرار رفع السريّة المصرفيّة وقانون إعادة هيكلة المصارف ومشروع قانون الفجوة، هذا فضلًا عن التغييرات المؤسساتيّة التي تمّت. هناك الكثير من الخطوات التي تُنسى أحيانًا في لبنان، لكنّها تُذكر دائمًا على لسان الشركاء في الخارج. أضف إلى ذلك معرفة الشركاء في الخارج بحساسيّة الوضع الذي نمر به، وإدراكهم لحجم الأزمة الحاليّة، بما في ذلك الأرقام التي ذكرتها، ما يشكّل خطرًا كبيرًا على لبنان.
إذن الإيجابيّة موجودة. السؤال هو: هل ستُترجم الإيجابيّة إلى مساعدات ماليّة؟ هنا أعود إلى الفكرة نفسها: على لبنان متابعة إنجاز رزمة الإصلاحات، سواء على المستوى السياسي، في ملفّات الأمن والسيادة وحصر السلاح، وعلى المستوى الاقتصادي.
ما هي برامج التمويل الدوليّة التي سيحصل عليها لبنان مستقبلاً؟
بالنسبة لصندوق النقد، هناك خطوط ائتمانيّة لحالات الطوارئ. لكن المشكلة هي أنّ لبنان لا يستوفي شروط الحصول عليها، لأنّ البلاد تحتاج أولاً للخروج من التعثّر للحصول على هذا التمويل. وكما تعرفون، استدامة الدين لدينا ما زالت موضوع درس ومعالجة. إذاً، النقاش مع الصندوق ما زال يتم وفق الطريقة التقليديّة، وما زلنا نعمل على معالجة نفس المواضيع التي كنا نعمل عليها سابقًا مع الصندوق.
المساعدة الأقرب، والأسهل حاليًا، هي من البنك الدولي. وهنا لدينا أكثر من مسار. فهناك المساعدة لشبكات الحماية الاجتماعيّة، وتم توقيع عقد قرض بقيمة 200 مليون دولار أميركي لهذه الغاية. وهذا القرض سيسمح بتأمين مساعدة ماليّة مباشرة لذوي الحاجة، ومنهم (ولكن ليس حصرًا) مجتمعات النزوح، من خلال شبكة أمان التي تديرها وزارة الشؤون الاجتماعيّة.
لكن هناك أفكاراً أخرى يتم درسها. فهناك رزمة قروض بقيمة 1.4 مليار دولار أميركي، مخصّصة للبنان ولم يتم صرفها بعد. وهناك تفكير في إعادة توجيه هذه القروض، بما يسمح بتأجيل المشاريع الطويلة الأجل، ومن ثم تخصيص التمويل لغايات داهمة أكثر. وهذا قد يشمل استخدام التمويل لمشاريع جديدة.
ما هو دور وزارة الاقتصاد في التعامل مع الضغوط التضخميّة الحاليّة؟
هناك صدمة تضخميّة شئنا أم أبينا. سعر البنزين ارتفع عالميًا بنسبة 65 بالمئة، أما أسعار المازوت، فارتفعت في الخارج بنسبة 85 بالمئة، وكذلك ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين. وهذا الواقع، لسوء الحظ، ينعكس على شكل زيادة في أسعار السوق المحلّي، خصوصًا لكوننا بلداً يعتمد على الاستيراد لتأمين معظم حاجاته الاستهلاكيّة. وهذه مشكلة هيكليّة طويلة الأمد. وتقديراتنا الأوليّة تفيد بأنّ الزيادة المبرّرة في تضخّم الأسعار محليًا قد تقارب 10 بالمئة.
السؤال هو: كيف نتأكّد بأنّ هذه الزيادة المبرّرة في أسعار السوق، لن تخلق فلتان تضخّميًا؟ ولسوء الحظ، هذه الظاهرة موجودة. لدينا مكتب شكاوى في وزارة الاقتصاد، ولدينا مراقبين في السوق، ونلاحظ وجود استغلال لهذه الأزمة، عبر زيادات غير مبرّرة في الأسعار.
للتعامل مع هذه المشكلة، وضعنا استراتيجيّة منذ فترة، ونقوم بتطبيقها. أولًا، هناك أهميّة خاصّة للرقابة. ونحن قمنا منذ بداية الحرب بأكثر من 3100 كشف ميداني، لمراقبة الأسعار. وعلى أساس هذه الكشوفات، نقوم بتسطير المحاضر القضائيّة، التي بلغ عددها أكثر من 200 محضر منذ بدء الحرب. وشملت العقوبات كذلك الإقفال بالشمع الأحمر، والإنذارات، وأعمال المتابعة، وتلف البضائع ومصادرتها.
ورغم أهميّة هذه الإجراءات، لم نقف عند هذا الحد. ولذا رفعنا السقف، عبر التعامل مع المدعي العام المالي. حيث باشرنا الأسبوع الماضي بإحالة 29 ملفًا إلى النيابة العامّة الماليّة، مع جميع الوثائق، وطلبنا دراسة هذه الحالات. وللمدعي العام المالي، بوصفه ضابطة عدليّة، يمتلك صلاحيّات قويّة للغاية، بما يصل إلى حد السجن والمصادرة. وبالفعل، للأمانة، المدعي العام المالي يتابع هذه الحالات بجديّة، وهناك أشخاص في السجون بسبب هذه الإجراءات. باختصار، مقاربتنا تقوم على التكامل ما بين مراقبي الوزارة من جهة، وصلاحيّات القضاء من جهة أخرى، لمكافحة الاحتكارات والتلاعب بالأسعار.
ما هو الدور الذي يمكن أن يلعبه قانون المنافسة في مكافحة الاحتكارات؟ ومتى يُطبّق؟
منذ البداية كنّا حاضرين لتطبيق هذا القانون، المُقر منذ العام 2022. قمنا بوضع المراسيم التطبيقيّة، وشكّلنا الإدارة الداخليّة المطلوبة للتطبيق. وبدأنا بدراسات السوق. المشكلة، وبكل صراحة، هي تأخّر تشكيل هيئة المنافسة، التي يفترض أن تمر بها كل القرارات. القانون يفرض أن يكون رئيس ونائب رئيس ومقرّر الهيئة من القضاة المتفرّغين. ومجلس القضاء الأعلى يشير إلى عدم القدرة على تخصيص قضاة متفرّغين لهذه الغاية. وهذا ما يعطّل اتخاذ القرارات، بعدم وجود الهيئة. وللأسف، كان من الممكن أن نقوم بالكثير من الأمور لو تواجدت هذه الهيئة.
كيف أثرت الحرب على خطط التعافي المالي، بما في ذلك مشروع قانون الفجوة؟ وهل بدأ تقييم هذه التداعيات أم سيبدأ بعد الحرب؟
على المستوى السياسي والاستراتيجي، الالتزام بالإصلاحات الهيكليّة موجود على أعلى المستويات في لبنان، والزخم مستمر. قسم من هذا الالتزام مرتبط بحاجة لبنان إلى توقيع الاتفاق مع الصندوق، نظرًا لأهميّة هذا الاتفاق على مستوى الحصول على مساعدات من مصادر أخرى. لكن من جهة أخرى، هناك قناعة داخليّة في لبنان بعدم إمكانيّة حصول ازدهار أو استدامة لأي نمو إذا لم نقم بالإصلاحات الهيكليّة. إذًا، أولويّات الإغاثة مهمّة جدًا، لكن هذا لا يعني نسيان أهميّة الإصلاحات الهيكليّة المطلوبة للخروج من الأزمة. وهذا مطلوب لخدمة بلدنا أولاً.
لكن في المقابل، جميع الفرضيّات الاقتصاديّة التي قامت عليها خططنا تغيّرت. حين يكون هناك تضخّم، وانكماش بنسبة 7 بالمئة، ستختلف أرقام ميزان المدفوعات والسيولة بشكل بديهي. وهذا يفرض إعادة تفكير بالفرضيات. ونحن لا ننتظر انتهاء الحرب كي نقوم بذلك، بل نقوم بدراسة ما يتغيّر بشكل مباشر مع الوقت. وقمنا بمناقشة هذه التغيّرات مع صندوق النقد، وبالتفصيل، وسنتابع الحديث بهذا الشأن مع شركائنا.
كيف يمكن للبنان الحد من تداعيات أزمة الطاقة العالميّة؟
تركيزنا يجب أن يكون على عدة مستويات:
أولاً، على المستوى الطويل المدى، من غير المقبول أن يبقى لدينا اقتصاد ريعي، يعتمد على الاستيراد والدين إلى حدٍ كبير. هشاشة اقتصادنا وتأثره بالأزمة ظهرت الآن، خلال هذه الحرب. وإصلاح هذه المسألة لا يمكن أن يتم خلال سنة أو سنتين، بل يجب أن يكون مشروعاً بعيد المدى، مع رؤية لكيفيّة التحوّل إلى اقتصاد منتج يعتمد على الاستثمار لا الدين.
ثانيًا، هذه الحرب أظهرت خللاً آخر، على مستوى المخزون الاستراتيجي، وخصوصًا مخزون المحروقات. نحن بحاجة لكيفيّة توسيع المخزون الاستراتيجي، وحل هذه المشكلة ممكن خلال بضعة سنوات. وعلينا أيضًا النظر في مسألة القمح. فالمخزون الاستراتيجي من هذه المادّة يكفي لثلاثة أشهر من الاستهلاك، لكن نحن نتمنى لو يمكن زيادة هذه المدّة إلى ستّة أشهر. وهذا يحتاج بطبيعة الحال إلى أهراءات جديدة.
ثالثًا، على المدى القصير، يجب تعزيز ودعم سلاسل التوريد، من خلال التأكّد من فعاليّة عمل المرفأ وسائر المنافذ البريّة. ونحن عملنا بجديّة على هذه المسألة، من خلال خطوات لوجستيّة تضمن سرعة تخليص البضائع، وانتظام العمل.
كيف يمكن أن يستفيد لبنان من النقاش الإقليمي حول تنويع سلاسل توريد الطاقة؟
هذه مسألة مهمّة جداً. أصبح واضحًا أن المنطقة والعالم أصبحا رهينة لمضيقي هرمز وباب المندب. وأدركت دول المنطقة أهميّة تنويع سلاسل الإمداد، وخاصّة تلك المتعلّقة بالمحروقات. ونحن من الدول المحظوظة، بالنظر إلى وجود خطيّ أنابيب يربطان لبنان بالدول العربيّة المُصدرة للنفط، وهي خطوط يمكن تفعيلها في المستقبل، كما يمكن استخدامها لغايات أخرى مثل نقل البيانات عبر مد خطوط فايبر. وموقع بيروت وطرابلس يسمح للبنان بلعب دور مهم على هذا المستوى. وأنا أؤكّد أننا نفكر بهذه المسألة، وتم الطلب من البنك الدولي إعداد دراسة بهذا الخصوص.
كيف تكامل عمل الوزارات للتعامل مع تداعيات الحرب؟
تحضيرنا كحكومة لهذه الأزمة، وتفاعلنا معها، كان واضحًا للعيان. وهذا يظهر من عدّة نواحٍ. فقبل الحرب، تلمّس الرئيس سلام التشنّجات الخارجيّة على مستوى المنطقة، ما دفعه لعقد اجتماعات للتحضير لاحتمال حصول تصعيد. ولهذا السبب، فور اندلاع الحرب، تشكّلت خلايا عمل حكوميّة للاستجابة للأزمة. وكان الهدف أولًا معالجة الموضوع الإغاثي، عبر ضمان خدمة النازحين وتأمين حاجاتهم، وهو ما ظهر في سرعة فتح مراكز الإيواء. ومن جهة أخرى، عملنا بشكل دائم -عبر الاجتماع الوزاري اليومي- على تنسيق جهود الوزارات المختلفة، للتعامل مع تداعيات الحرب.
ومن الأمثلة على فعاليّة التنسيق الحكومي في هذا المجال، كان التعامل مع زيادة الطلب على المحروقات في بدايات الحرب، حين بدأ المستهلكون بشراء وتخزين هذه المادّة. يومها، قمنا بتنسيق العمل بين عدّة إدارات لضمان توفير الإمدادات بشكلٍ طارئ، خلال عطلة نهاية الأسبوع، لتطمين المواطنين وضمان عدم انقطاع البنزين والمازوت. وبالفعل نجحت هذه الإجراءات في تطمين السوق. وكذلك جرى بالنسبة للأدوية والقمح.