خضر حسان (صحيفة المدن)
نفّذ موظفو القطاع العام إضرابهم الذي شمل وقف العمل في الإدارات والمؤسسات العامة والمدارس الرسمية، وذلك رفضاً لـ"تجاهل إقرار زيادة الرواتب التي أقرّتها الحكومة". غير أنّ الإضراب التحذيري الذي حصل اليوم، الإثنين، لم يكن سوى "رسالة إلى السلطة السياسية"، على أن يتبعها تحرّكات أخرى وصولاً إلى "الإضراب العام المفتوح". لكن اللافت أنّ إضراب اليوم جاء على وقع دعوات متناقضة بين بعض مكوّنات ممثّلي الموظّفين والمتقاعدين، إذ لم تحمل الدعوة للإضراب إجماعاً نقابياً، ومع ذلك "الرسالة واضحة والسقف هو الحقوق".
التزام بالإضراب
تلبية لدعوة تجمّع روابط القطاع العام (عسكريين ومدنيين)، نفّذ موظفو الإدارات العامة إضرابهم اعتراضاً على عدم البدء بإعطائهم الرواتب الستّة التي أقرّتها الحكومة مطلع العام الجاري، كتعويض شهري على أساس الراتب. على أنّ "الجوّ العام للإضراب كان جيّداً، والالتزام كبير وصل إلى ما بين 80 و90 بالمئة في مختلف المؤسسات والإدارات العامة، وبقي العمل مستمراً في بعض الإدارات لتسيير الأمور الضرورية جداً"، وفق ما أكّدته مصادر في التجمّع، والتي رأت في حديث لـ"المدن"، أنّ نسبة الالتزام "تدل على أنّ الموظفين تعبوا من السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الدولة التي تعامل الموظفين كأرقام وليسوا كأشخاص مهمّين في القطاع العام".
الإضراب التحذيري جاء بمثابة "صرخة في وجه المعنيين وخصوصاً وزارة المالية، بعد أن رأى وزير المالية (ياسين جابر) أنّه غير قادر على دفع الزيادة، لكنّه قادر على استيفاء الضرائب والرسوم من الناس، وخصوصاً الضريبة على البنزين التي فرضت تحت ذريعة تأمين التمويل لدفع الزيادة على الرواتب".
الرسالة وصلت
الإضراب أقرّ ليوم واحد كمقدّمة لسلسلة تحرّكات تحدَّد تباعاً. وفي السياق، لفتت المصادر إلى أنّ "الإضراب كان رسالة وصلت إلى المعنيين، ومن بعدها ستكون الرسائل أقوى وأقسى عبر التصعيد بالاتفاق مع كل مكوّنات القطاع العام والمتقاعدين المدنيين والعسكريين". ومع ذلك، تتخوّف المصادر من استمرار السلطة السياسية في المماطلة "خصوصاً وأنّ وزير المالية رمى مسؤولية عدم البدء بدفع الزيادة، على مجلس النواب الذي لم يقرّ الزيادة. ومن غير المستبعد أن يكون هناك اتفاق ضمني بين الوزراء والنواب على عدم إقرار مشروع قانون الرواتب، لكي لا تكون الوزارة ملزمة بالدفع عند إقراره". وهذا التوجّه، في حال ثبوته "ليس مستَغرَباً"، وفق المصادر التي رأت أنّ "الدولة خصمنا وهي ربّ العمل بالنسبة لنا".
علماً أنّ وزير المالية ياسين جابر كان أكّد لـ"المدن" أنّ الوزارة لا ترفض دفع الزيادة، لكن مسارها القانوني لم يكتمل بعد، فضلاً عن أنّ الدفع في الظروف الراهنة سينعكس على الوضع الاقتصادي والمالي للدولة. والتسرّع في الدفع سيعرّض رواتب الموظفين والمتقاعدين إلى التآكل بفعل التضخّم الذي سيزيد بعد ضخ كميات من الليرة. لكن هذه التبريرات لم تقنع الموظفين والمتقاعدين الذين طالبوا بحقوقهم رغم أنّ ما أقرّته الحكومة "مجحف بحقّنا". فأصحاب الحقوق يريدون استعادة قيمة رواتبهم كما كانت حتى العام 2019، وهذا الأمر يتمّ بالنسبة إليهم عبر دفع 50 بالمئة من قيمة الرواتب، وتقسيط الباقي بنسبة 10 بالمئة شهرياً، إلاّ أنّ مشروع القانون الذي أقرّته الحكومة سيعيد للموظفين والمتقاعدين 46 ضعفاً من رواتبهم حتى العام 2030، فيما يرى أصحاب الحقوق أنّ رواتبهم تقلّصت بنحو 60 بالمئة مقارنة بما كانت عليه حتى العام 2019.
لا انقسام بين الموظفين
رغم تنفيذ الإضراب، إلاّ أنّ الدعوات المتفرّقة لتحرّكات منفصلة، تظهر تبايناً في المواقف بين مختلف مكوّنات أصحاب الحقوق. ففي حين دعا تجمّع الروابط إلى إضراب الإثنين، أرجأت رابطة موظفي الإدارة العامة تحرّكها إلى 13 أيار المقبل أمام مبنى وزارة الشؤون الاجتماعية، وتزامن ذلك مع دعوة التجمّع للإضراب. لكن المصادر أكّدت أنّ "الرابطة عضو في التجمّع، والجميع حريصون على حقوق الموظّفين والمتقاعدين، والحقوق موجودة عند جهة واحدة هي الدولة، وبالتالي لا إشكالية في تعدّد الدعوات، فالكل يعبّر عن رؤيته بالتحرّكات، لكن الجميع ملتزم بالمطلب الأساسي وهو حقوق الموظفين والمتقاعدين".
لم يقتنع الموظفون والمتقاعدون بأنّ السلطة السياسية ستمنحهم مطالبهم كما هي، بل أدركوا منذ البداية أنّ ما يُحَضَّر لهم هو فخّ، إن على مستوى الشكل أو المضمون، ففي الشكل، جاء إقرار مشروع القانون مشوّهاً وأقلّ مما طالب به أصحاب الحقوق، وفي المضمون، رُحِّلَ التنفيذ إلى مجلس النواب. أمّا الحرب، فتكفّلَت بأن تكون السبب الرئيسي في تجميد التنفيذ لأنّه سيؤدي إلى "انفلات سعر الصرف وإلى التضخّم"، وفق جابر. ولذلك، فإنّ الواقع يشير إلى أنّ الزيادة ستبقى حبراً على ورق إلى حين انتهاء الحرب واستيعاب نتائجها على المستوى الاقتصادي والمالي.