أماني المقهور (صحيفة الأخبار)
تنتج السلطة السياسية في لبنان أزماتها المتلاحقة، من الانهيار النقدي والمصرفي إلى التخلي عن المناطق في الأطراف خاصةً الجنوب، وصولاً إلى معالجة العطب القضائي بـ«العفو العام».
في بلدٍ تصل نسبة الاكتظاظ في سجونه إلى نسبة 330%، وتئنّ تحت وطأة واقعٍ لا إنساني مزمن بسبب بطء المحاكمات وعدم وجود آليات حقيقية لتحقيق العدالة، يعود ملف العفو العام إلى الواجهة باعتباره «حلاً» يُروَّج له لفكفكة معضلة طول أمد التوقيف والاكتظاظ، وما ينتج عنهما من مظلومية. هكذا، لا ينفصل طرح العفو عن أزمة بنيوية في النظام العقابي، طالما شكّلت مدخلاً لتبرير قوانين استثنائية تُسدل الستار على الجرائم، بدل معالجة أسبابها.
ولمّا كانت قضية العفو العام تُطرح، على مدى سنوات، عند كل مفترق سياسي - مع تفاقم أعداد السجناء بما يفوق القدرة الاستيعابية للسجون - من دون أن تبصر النور، يوجد في أروقة مجلس النواب 5 اقتراحات قوانين للعفو العام. آخرها تقدمت به النائب بولا يعقوبيان ولم يدرس بعد، وأبرزه الذي تقدمت به كتلة الاعتدال الوطني ولبنان الجديد، وهو في اللجان المشتركة الآن، ودرس آخر مرّة الأسبوع الماضي في 27 نيسان 2026. ويفتح هذا الاقتراح تحديداً الباب أمام نقاشٍ واسع حول الجرائم المشمولة بالعفو وتلك المستثناة منه، فضلاً عن تداعياته على الحقوق الشخصية.
العفو العام تاريخياً
تاريخياً، شهد لبنان منذ عام 1923 إصدار 44 عفواً عاماً، تراوحت بين قرارات ومراسيم وقوانين، بعضها جزئي وبعضها كامل. ويُعدّ أبرزها قانون العفو الصادر بعد الحرب الأهلية (84/1991)، الذي شمل الجرائم المرتكبة قبل 28 آذار 1991، مع الإبقاء على الحقوق الشخصية، إضافة إلى قوانين عفو جزئية لاحقة صدرت بعد عام 1992، كانت محدودة النطاق ولم تُسقط تلك الحقوق.
العفو العام الكامل
بحسب المادة 150 من قانون العقوبات، يصدر العفو العام عن السلطة التشريعية، ويؤدي إلى محو الصفة الجرمية عن الفعل، كأنّه لم يُجرَّم أصلاً، في وقت كان يشكّل هذا الفعل بعينه جريمةً يعاقب عليها القانون. ويُبرَّر هذا الإجراء عادةً بظروف اجتماعية أو سياسية تفرض طيّ صفحة مرحلة معينة.
غير أنّ اقتراح القانون الحالي يذهب أبعد، إذ يمنح العفو العام لأي جريمة غير مستثناة بنص واضح، مع إدراج استثناءات بصياغات عامة تفتح باب التأويل بشأن ما تشمله. وفي حال وجود الشك، يُفسَّر النص لمصلحة إسقاط الملاحقة.
على أنّ الأخطر في الاقتراح المقدّم أنّ مفاعيله تمتد لتشمل جرائم لم تُرتكب بعد، شرط وقوعها قبل تاريخ إقراره، ما يعني عملياً منح «براءة ذمة مسبقة» عن جرائم قد تُرتكب ضمن هذه الفترة الزمنية.
كذلك، ينصّ الاقتراح على تخفيض العقوبات في بعض الجرائم التي يستفيد منها المحكوم، قبل نفاذ القانون عبر نشره في الجريدة الرسمية، وفق ما تشير إليه «المفكرة القانونية». في المقابل، يبقى الحق بالادعاء الشخصي قائماً، ولا يسقط بفعل العفو، استناداً إلى اجتهادات المحاكم.
الجرائم المستثناة من العفو
يستثني الاقتراح طيفاً من الجرائم، بينها القتل العمد بحق المدنيين والعسكريين والعناصر الأمنية، سواء صدرت فيها أحكام أم لا، وجنايات المخدرات في حال وجود أكثر من حُكمَين قضائيَّين أو ملاحقتَين، وهو شرط يطرح إشكاليات في حالات الملاحقة الواحدة أو الأحكام غير المبرمة. كذلك، تُستثنى الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، واختلاس الأموال العامة، والجرائم المتعلقة بالآثار، والتعدي المستمر على الأملاك العامة، والجرائم التي يتخذ فيها المتضرر صفة الادعاء الشخصي، بالإضافة إلى الجرائم ضد أمن الدولة كالإرهاب والعمالة.
كما يشمل الاستثناء قانون مكافحة الفساد (175/2020) الذي يقتصر على القطاع العام، ما يفتح ثغرة في ما يخص القطاع الخاص، وخصوصاً في قضايا تبييض الأموال أو تهريبها من الدائنين.
وتُطرح هنا مسألة استفادة مديري المصارف، بالإضافة إلى الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة، في ضوء ادعائه بأن العمولات التي تقاضاها عبر شركات «أوبتيموم» و«فوري» تعود إلى القطاع الخاص.
وإزاء ما تقدّم من الغموض في صياغة نص العفو، يُمنَح القضاء هامشاً واسعاً لتفسير النص لمصلحة المدّعى عليهم عند الشك في استفادة هؤلاء من نص العفو، أو عدمها. ناهيك بالتجاذبات السياسية الحادّة بين الأحزاب التي قد تشهدها جلسات اللجان، بما يحوّل النقاش إلى بازار لتقاسم المكاسب، وجعل هذا العفو إرساءً لمعادلة «6 و6 مكرر»، على حساب فكرة العدالة الشاملة.
العفو العام المخفف
إلى جانب العفو الكامل، يتضمن الاقتراح صيغة «عفو مخفف» تقوم على تقليص مدد العقوبات غير المستثناة، بما يتيح تعميم الاستفادة على المحكومين وجاهياً أو غيابياً، أو حتى من هم في طور المحاكمة. ووفق النص، تُخفض عقوبة الإعدام إلى 25 عاماً (أي 18 عاماً وتسعة أشهر فعلياً)، وعقوبة المؤبد إلى 20 عاماً (15 سنة سجنية)، فيما تُخفَّض سائر العقوبات بحدود الثلث.
أيضاً، يضع الاقتراح سقفاً للتوقيف الاحتياطي في الجنايات المستثناة من سقف التوقيف الاحتياطي، بما يتجاوز القيود المنصوص عليها في المادة 108 من أصول المحاكمات الجزائية، بما يشمل متهمين بجرائم خطيرة كالإرهاب أو القتل أو المحالين إلى المجلس العدلي.
ويُلزم النص بإخلاء سبيل المدعى عليه الذي لم يصدر بحقه حكم قبل نفاذ القانون، وذلك في حال تجاوز توقيفه 12 سنة سجنية (أي 9 سنوات فعلية)، ما يفتح الباب أمام استفادة شخصيات موقوفة في ملفات حساسة، من بينها الشيخ أحمد الأسير في بعض القضايا المتعلقة به والتي لم يُحاكَم بها بعد.
في المحصلة، وبينما يُفترض أن يشكّل العفو مدخلاً لتحقيق العدالة، يُناقش اقتراحه الحالي تحت مبرّرات عدّة، لكنّه يترافق مع اصطفافات سياسية وطائفية واضحة من شأنها أن تحوّله إلى مادة تجاذب بين القوى السياسية، خصوصاً وأنه مفصّلٌ على مقاس بعض المستفيدين منه بشكل مباشر. ويُضاف هذا الأمر إلى غيابٍ لمنطق العدالة عن الكثير من الأحكام، فضلاً عن الضبابية في بعضها، الأمر الذي يمسّ بجوهر العدالة ويحوّل القانون المشار إليه، بما يعتريه أساساً من شوائب، إلى أداة خاضعة للمصالح الضيقة، من شأنها تغليب منطق اللامحاسبة تحت غطاء «عدالة انتقائية».
اقتراحات قوانين للعفو العام:
اقتراح قانون طرحه 7 نواب
اقتراح فيصل كرامي
اقتراح أشرف ريفي
اقتراح المستقلين ونواب عكار