علي بدر الدين (صحيفة البناء)
في ظلّ الحرب الإسرائيلية المتوحّشة والمجرمة على لبنان، وأمام هول المجازر والفظائع التي يرتكبها العدو الإسرائيلي في الجنوب، وحرب الإبادة الجماعية التي يقوم بها للبشر والحجر والزرع والضرع، ومحاولاته لقتل الحياة في هذا الجنوب الذي واجه شعبه كلّ الاستهدافات والتحديات والانتدابات والاحتلالات التي لا تُعدُّ ولا تُحصى على مدى أكثر من قرن (100 سنة)، وظلّ صامداً وقوياً ومتماسكاً، ويعود إلى حياته أقوى مما كان، ولا يخاف “إنْ وقع على الموت أو وقع الموت عليه”، لأنه صخر متجذّر بالأرض والتاريخ والجغرافيا، سائر على نهج الأجداد والآباء والسلف الصالح، الذي وإنْ مات فلا يموت إلا واقفاً كالشجر، ولكن جذوره تبقى حيّة وخضراء وتورقُ وتثمرُ من جديد روحاً وجذوراً وجذوعاً تنبض بالحياة.
إنّ شجر الجنوب يفرّخ ويخضرّ ويحيا أينما كان وأينما زُرِع في كلّ الفصول وكلّ الظروف وكلّ الحروب عليه.
وليعلم الذين تخلّوا عن الجنوب منذ أن تكوّن هذا النظام السياسي الطائفي المذهبي الهشّ، أقلّه من سنة 1920، انّ هذا الجنوب حيٌّ لا يموت وهو الثابتة الوحيدة في هذا الوطن، لأنه القلب الذي يخفق وينبض في شرايين الوطن الواقف على “شوار”، الانهيار والإحتضار، إذا لم تنقذوا الجنوب الذي يدفع أثماناً باهظة دفاعاً لبنان وسيادته واستقلاله ووحدة أبنائه منذ أن زرع الغرب كيانه الصهيوني الغاصب في فلسطين 1948 .
لا يعتقدنَ أحد في الداخل والخارج أنّ هذا الجنوب الذي يحاول العدو إبادة أهله بالحديد والنار وبصواريخ طائراته وقذائف مدفعياته وبإنذاراته بإخلاء القرى والبيوت والحقول والأملاك والأرزاق “سيرفع العشرة”، أو يركع أو يستسلم فهو واهم واهم، وراجعوا قراءة التاريخ جيداً علّكم تتعظون.
من حقنا كلبنانيين ومواطنين جنوبيين أن نسأل، أليس الجنوب جزءاً من هذا الوطن الذي اسمه لبنان، ولماذا يُترَك وحيداً يواجه الاعتداءات الإسرائيلية منذ 78 عاماً بأجساد أبنائه وبدمائهم وأرواحهم، وهو الذي عانى ولا يزال من إهمال وحرمان وتجاهل الدولة بعهودها وحكوماتها وسلطاتها التي عبَرَت وتعاقبَت، ولم يذق مرّة طعم ما يُسمّى بالإنماء المتوازن. هذا الشعار المزيّف الذي تتغنّى به الحكومات المتعاقبة، ويتصدّر بياناتها الوزارية وخططها التنموية؟
ما يتعرّض له الجنوب اليوم من حرب إبادة إسرائيلية جماعية لم يشهد العالم مثيلاً سوى الشعب الفلسطيني والنموذج غزة.
وكأنه خارج حدود الوطن وجغرافيته ومساحته العشرة آلاف كيلومتر ونيّف، وشعبه متروك لقدره، يصمد ويقاوم يُقتَل ويشرّد ومناطقه تُقطّع وتُفصل عن بعضها، وبيوته وأملاكه وكلّ جنى العمر يّدمّر، وحقوله وشجره يحترق، حتى لا تنجب من جديد وتتكاثر ثمراً وغلالاً وتبغاً، لأنّ هذا العدو الإسرائيلي الحاقد يرميها بمواد حارقة لتبقى عاقراً لعقود آتية.
من حقّنا أن نسأل، أين لبنان الآخر دولة وحكومة وقوىً حزبية وسياسية وطائفية و”شركاء” المصير، مما يتعرّض له الجنوب وشعب الجنوب من عدو مجرم ودموي وطامع وعنصري؟
إنّ لبنان الآخر الذي يمارس حياته الطبيعية وكأنّ البلد بألف خير يعتقد ويتوهّم أنه سيكون بمنأى عن الخطر الإسرائيلي المتربّص بالبلد كله.
ما يحتاجه الجنوب من هؤلاء ليس أكثر من مواقف تضامنية وإقامة والصلوات وتلاوة الأدعية والتكبير في المساجد ودقّ أجراس الكنائس والاعتصامات الرافضة والمندّدة بالعدوان، واحتضان أهله النازحين وعدم استغلال نزوحهم من أجل حفنة من الدولارات، والإعلان أمام العالم وقوفهم إلى جانب الجنوبيين في صبرهم وصمودهم ومقاومتهم وتصدّيهم البطولي للعدو الإسرائيلي المحتلّ والغازي .
هل هذا كثير على “الشركاء” الذين يتغنّون دائماً وفي كلّ مناسبة، بصيغ العيش المشترك والتعايش الطائفي والمذهبي وبالوحدة الوطنية ووحدة العائلات اللبنانية.
ومن حقنا كلبنانيين ومواطنين جنوبيين أن نسأل الحكومة، لماذا لا تبقى في حالة طوارئ دائمة وجلساتها مفتوحة لمواكبة الحرب الإسرائيلية المتوحشة على الجنوب، وهل تضمين جداول أعمالها تعيين الموظفين المتفق عليهم بالتحاصص أفضل وله الأولوية عما يتعرّض له لبنان من حرب إبادة؟
أين الجاليات اللبنانية في أميركا وكندا وأوروبا وغيرها على مساحة العالم لماذا لم يتحركوا بعد شهرين من الحرب الإسرائيلية على وطنهم الأم؟ أين العرب وجامعتهم؟ وأين الدول الإسلامية ومنظماتهم ومؤتمراتهم؟ أين الأمم المتحدة وجمعيات حقوق الإنسان، مما يتعرّض له شعب لبنان في الجنوب؟
لكلّ هؤلاء نقول، لسنا بحاجة إلى معلباتكم الفاسدة ولا إلى أكياس السكر والأرز والطحين، نريد منكم فقط، موقفاً يدين العدوان والضغط على العدو الإسرائيلي ليوقف حربه وإبادته لشعب الجنوب، وهل هذا كثير عليه…؟