اوراق مختارة

فخ المساومة القسرية: لماذا يفشل الضغط الأمريكي في انتزاع تنازلات من إيران؟

post-img

هادي تقي/جريدة الأخبار

خلال الأسابيع القليلة الماضية، استمرت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بالتأرجح بين حدّي التصعيد والانخراط الحذر. فترات من تصاعد الضغط أعقبتها انفراجات محدودة في القنوات الدبلوماسية، إنما من دون التوصل الى أي اتفاق مستدام. وحتى عندما تُطرح مقترحات، فإنها تميل إلى إدارة التصعيد بدل معالجة جوهر النزاع القائم.

في مقابل الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية، ثمّ الحصار البحري الأمريكي الهادف إلى تقييد صادرات النفط الإيرانية، أدّت الإجراءات المضادة التي اتخذتها طهران، وما تبعها من رفض للتفاوض تحت الضغط إلى رفع كلفة المواجهة، من دون أن يترجم ذلك حتى الآن إلى اختراقات دبلوماسية حقيقية.

من هنا، تنطلق هذه المقالة من فرضية أنّ الجمود الحالي ليس مجرد تعثر دبلوماسي، بل نتيجة متوقعة لبيئة مساومة قسرية (Coercive Bargaining Environment) تغيب فيها شروط الاتفاق. فمن خلال مفاهيم مستمدة من نظرية المساومة (Bargaining Theory) والدبلوماسية القسرية (Coercive Diplomacy)، يمكن فهم سبب فشل الضغط في التحول إلى تسوية.

ليست المسألة تراكمًا تدريجيًا للكلفة إلى أن ينهار أحد الطرفين. فديناميات التفاوض نفسها تمنع التقارب: التوقعات لا تتغير، والالتزامات لا تزداد مصداقية. لذلك، حتى الأطر الدبلوماسية الأكثر إحكامًا ستصطدم بالقيود نفسها.

الضغط وحدود القوة التفاوضية

في نظرية المساومة، وكما جادل توماس شيلينغ (Thomas Schelling)، فإنّ القوة لا تنبع فقط من القدرة على إلحاق الضرر، بل من القدرة على تشكيل توقعات الخصم بشأن ما سيحدث إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. ويُشار إلى ذلك غالبًا بمفهوم: «أفضل بديل متاح في حال فشل التوصل إلى اتفاق، أو «BATNA».

لكن الألم الاقتصادي، مهما بلغ، لا يتحول إلى نفوذ إلا إذا غيّر طريقة تقييم الطرف المستهدف لخياراته. وإذا بقيت هذه التوقعات ثابتة، يمكن للضغط أن يتراكم إلى ما لا نهاية من دون أن يؤدي إلى أي تحرك فعلي. وهنا يقع الخلط الجوهري: اعتبار واشنطن نفسها «منتصرة» لأن إيران تحت الضغط يخلط بين الكلفة الظاهرة والنفوذ الحقيقي. فالكلفة قابلة للقياس، أما النفوذ فيتوقف على تغيّر توقعات الخصم.

المشكلة ليست ضعف الأداء فحسب، بل سوء المواءمة (Misalignment) . واشنطن تقيس النجاح بفعالية الحصار، بينما تقيسه طهران بقدرتها على الامتصاص والصمود. الطرفان لا يتقاربان، بل يعملان وفق مقاييس نجاح مختلفة. والأهم أنّ «أفضل بديل متاح لطهران في حال فشل الاتفاق BATNA» لم يتغير: فالاستسلام تحت الضغط لا يزال أكثر تهديدًا من استمرار الكلفة الاقتصادية.

معضلة الالتزام وانهيار الثقة

يتضح الفخ أكثر من خلال أعمال ألكسندر جورج (Alexander George) حول الدبلوماسية القسرية (Coercive Diplomacy) . فالإكراه لا يقوم على الضغط وحده، بل على توازن بين تهديد موثوق ومسار موثوق للامتثال. يحتاج الطرف المستهدف إلى مخرج يمكنه سلوكه من دون كلفة سياسية غير مقبولة. لكن هذا التوازن هشّ بطبيعته. فكلما ازدادت التهديدات حدة ومصداقية، أصبحت أصعب في التراجع عنها. وهكذا، قد يُظهر الضغط الحزم، لكنه يقلل المرونة اللازمة للتسوية، فتبدأ أدوات النفوذ بتقويض شروط استخدامها دبلوماسيًا.

يفترض الطرح المقابل أنّ الضغط، إذا بلغ درجة كافية من الشدة، يمكنه تجاوز هذه القيود عبر فرض الاستسلام، أي أنّ الإكراه يمكن أن يحل محل الاتفاق الموثوق. لكن عمليًا، فإنّ الضغط من دون آليات التزام موثوقة يميل إلى تعزيز المقاومة بدل إنتاج الامتثال. وحتى عندما تظهر مقترحات لخفض التصعيد، فإنها غالبًا ما تتجنب القضية الجوهرية بدل حلها، بما يعكس محاولة لإدارة الضغط لا الاستسلام له.

على مستوى أعمق، لا يملك أي من الطرفين سببًا حقيقيًا للثقة بأي اتفاق. وهذا ليس فقط إرثًا لقرارات سابقة - وأبرزها انهيار «خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA» - بل سمة متكررة في العلاقة التفاوضية نفسها، حيث تقوض القيود الداخلية والاستراتيجية الالتزامات طويلة الأمد. كما يجادل جيمس فيرون (James Fearon) في إطار تحليله للأسباب العقلانية للنزاعات، فإنّ مشكلات الالتزام (Commitment Problems) تمثل عائقًا مركزيًا أمام الاتفاق: عندما لا تستطيع الأطراف تقديم ضمانات موثوقة بأنها ستلتزم بتعهداتها، تنهار حتى الصفقات المفيدة للطرفين. وهذا المنطق ينطبق هنا مباشرة.

طهران لا تثق بأن تخفيف العقوبات سيكون مستدامًا، بالنظر إلى السوابق السابقة وتقلبات السياسة الداخلية الأمريكية. وواشنطن، من جهتها، تشكك في استعداد إيران للحفاظ على الامتثال، خصوصًا في الملفات المرتبطة باستراتيجيتها الإقليمية.

يضيف مفهوم «الألعاب على مستويين» (Two-Level Games) لدى روبرت بوتنام (Robert Putnam) بعدًا إضافيًا. فالاتفاقات الدولية تبقى مقيدة بالسياسة الداخلية. في الولايات المتحدة، تقلص معارضة الكونغرس، والدورات الانتخابية، واحتمالات التراجع عن السياسات مساحة الالتزامات الموثوقة. ومن منظور إيران، يؤدي ذلك إلى خصم عقلاني (Rational Discounting) لأي عرض، مهما بدا جذابًا على الورق. وفي ظل هذه الظروف، لا يصبح الاتفاق صعبًا فحسب، بل موضع شك استراتيجي بحد ذاته.

حين يتحول الضغط إلى اختبار صمود

الخطأ الثاني يتمثل في الاعتقاد بأن الزمن يعمل لصالح الطرف المُكرِه، وأن الضغط المستدام سيؤدي في النهاية إلى الاستسلام. لكن السجل التاريخي يشير إلى عكس ذلك. وكما أظهر دانيال دريزنر (Daniel Drezner)، وكما توضح الحالات من العراق إلى روسيا، فإنّ الدول الخاضعة للعقوبات تجد عادة طرقًا للتكيف: إعادة توجيه التجارة، بناء شبكات بديلة، وإعادة هيكلة اقتصاداتها. مع ترسخ هذا التكيف، يتحول الإكراه إلى مسابقة صمود. هنا يتغير منطق المساومة. لم تعد المسألة مرتبطة بالكلفة الهامشية، بل بتقدير كل طرف لقدرته النسبية على التحمل، وهي مسألة أقل استجابة بكثير للضغط الخارجي.

المواجهة الحالية في مضيق هرمز تعكس هذه الدينامية. فعلى الرغم من تصاعد القيود البحرية والضغط على صادرات النفط، أظهرت إيران استعدادًا لامتصاص الكلفة والتكيف بدل التنازل، بينما تواصل الولايات المتحدة تصعيد إجراءاتها من دون تحقيق مكاسب دبلوماسية حقيقية.

في هذا السياق، لا يزيد الزمن النفوذ بالضرورة؛ بل قد يساهم في تآكله. فالصدمة الأولية للعقوبات تبلغ ذروتها مبكرًا، ثم يعيد التكيف توزيع الكلفة عبر الزمن، فيتحول الإكراه إلى اختبار صمود لا إلى إشارة تفاوضية أكثر فاعلية. ما يهم إذًا ليس حجم الألم المفروض، بل كيفية تفسير كل طرف لقدرته على تحمله. فالمقترحات الإيرانية الأخيرة لإعادة فتح مضيق هرمز مع تأجيل المفاوضات النووية تعكس حراكًا يقلل الكلفة المباشرة من دون أن يغير التوقعات حول جوهر النزاع. ويمكن لاستراتيجيات التسلسل (Sequencing Strategies) أن تسهّل الاتفاق نظريًا، لكن فقط إذا غيّرت التوقعات بشأن القضية الأساسية. وهذا التحول لا يبدو حاضرًا حتى الآن.

بلغة نظرية المساومة، ينتج ذلك توقعات متباعدة (Diverging Expectations): طالما يعتقد كل طرف أنّ الزمن يحسن موقعه، فلن يمتلك حافزًا للتسوية. وهذا يفسر غياب ما يسميه ويليام زارتمان (I. William Zartman) «الجمود المؤلم المتبادل» (Mutually Hurting Stalemate)، أي إدراك الطرفين أنّ استمرار المواجهة أكثر كلفة من التسوية. النتيجة ليست مأزقًا مؤقتًا، بل توازنًا يعيد إنتاج نفسه - ناتجًا عن توقعات غير متوافقة والتزامات غير موثوقة. وبالتالي، تضيق مساحة النتائج الممكنة تباعًا.

الطريق المفقود نحو الاتفاق

التوازن الحالي لا يستمر لأن الاتفاق مستحيل بطبيعته، بل لأن شروطه غائبة. ولكسر الجمود، تحتاج بيئة المساومة إلى ثلاث تحولات: إعادة مواءمة التوقعات، بحيث يرى الطرفان أن استمرار المواجهة أكثر كلفة من التسوية؛ واستعادة مصداقية الالتزامات، خصوصًا في ظل تقلبات السياسة الداخلية الأمريكية وشكوك واشنطن في سلوك إيران الإقليمي والنووي؛ وإعادة موازنة الإكراه بما يحافظ على مخارج تفاوضية قابلة للتصديق. فالضغط إذا أصبح جامدًا أكثر من اللازم يقوض الطريق نفسه الذي يفترض أن يقود إلى التسوية. لا شيء من هذه الشروط متوافر حاليًا. ونتيجة لذلك، يعيد النظام إنتاج حالة من الاستقرار بلا تقارب: التصعيد تتم إدارته لا حله، والمفاوضات تستمر من دون وجود مسار فعلي نحو اتفاق.

خاتمة

المحادثات الأمريكية – الإيرانية لا تفشل لأن أحد الطرفين يفتقر إلى القوة أو الإرادة، بل لأن بنية المساومة القسرية تمنع تحويل القوة إلى اتفاق. عندما تتباعد التوقعات، وتفقد الالتزامات مصداقيتها، ويعمل الزمن لصالح التكيف، يصبح الجمود نتيجة منطقية لا حادثًا عرضيًا. البدائل الأخرى ممكنة نظريًا، لكنها تصطدم بقيود بنيوية عميقة. وطالما استمرت واشنطن في الخلط بين القدرة على الإيذاء والقدرة على إنتاج تسوية، فإنها ستواصل الاعتماد على ضغوط تعيد إنتاج الجمود بدل كسره.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد