أوراق اجتماعية

"إنسولين" منتهي الصلاحية وأجساد جائعة.. حياة 2500 طفل غزي في خطر

post-img

بيد ترتجف، تحقن الأم نهاوند جحا طفلها النحيل أمير بجرعة الإنسولين اليومية. تنظر إلى تاريخ الصلاحية المطبوع على العبوة وقد انتهى منذ أشهر. تعلم أن هذا السائل قد يفقد مفعوله أو قد يسبب مضاعفات غير آمنة، لكنها لا تملك خيارا آخر. في غزة، لم يعد السؤال "هل الدواء متاح؟" بل "هل العلاج منتهي الصلاحية أقل ضررا من الموت دونه؟".

تجلس أم أمير في ركن باهت داخل بيت متهالك، لم تسلم جدرانه من ندوب القصف ولا زواياه من الرطوبة، تراقب بصمت احتراق شمعة عمر طفلها الذي لم يتجاوز العشرة أعوام. في هذا المنزل، وداخل جدرانه المتشققة، لا تدور المعركة مع الحرب فحسب، بل مع "عدو صامت" كما تسميه، ينهش جسد صغيرها وهو مرض السكري.

سموم مغلفة

"يريد حبة فاكهة.. يشتهي غذاء لا يقتله"، بهذه الكلمات المبحوحة تختصر الأم مأساتها، فأمير الذي تُحلّق مستويات السكر في جسده إلى مستويات مرعبة، لا يجد في منزله سوى معلبات هي بمثابة "سموم مغلفة" لجسده المنهك، وفق وصف والدته. تروي الأم بقلب مكلوم كيف يطلب طفلها منها ما يشتهيه من خضروات وفواكه وكيف تنكسر نظراتها أمام عجزها عن توفير "لقمة صحية" تسند قامته، في ظل غياب معيل أو سند مادي وسط هذا الركام.

تقول: "لا تتوقف الأزمة عند تاريخ صلاحية الدواء فحسب، ففي ظل انقطاع التيار الكهربائي المستمر منذ بدء الحرب على غزة، فقد الإنسولين -حتى ذلك الذي لم تنتهِ صلاحيته بعد- فاعليته بسبب التخزين في درجات حرارة مرتفعة".

في الخيمة المهترئة

بين أنياب الجوع والدواء التالف تجسّد الفلسطينية نور الصفدي هي الأخرى فصلا مؤلما من فصول المعاناة؛ حيث تخوض معركة يومية لإنقاذ حياة طفلها ماجد (7 أعوام) المصاب بمرض السكري أيضا.

في خيمتها المهترئة بمنطقة الساحة وسط مدينة غزة لا تجد نور خضروات تلائم حمية ماجد الصحية، ولا جرعة ماء نظيفة تطفئ ظمأ جسده المنهك، وتقول بحسرتها: "ابني اعتاد أن يستخدم الإبرة (الحقنة) أكثر مما اعتاد على اللعب، فهو دائما حبيس الخيمة.. حالي صعب للغاية وما يزيد علينا قسوة المرض هو اضطرارنا لاستخدام حقن إنسولين منتهية الفاعلية بسبب الحصار وانقطاع الإمدادات الطبية".

تكمل بوجعها الكبير: "أعلم يقينا أن هذا الدواء فقد قدرته على ضبط مستويات السكر في دم طفلي، الذي يعاني دائما من الصداع والخمول جراء استخدام دواء منتهي الصلاحية".

تضيف: "لا يوجد في عائلتنا معيل يشتري له ما يسد جوعه، حتى جهاز قياس السكر غير متوفر لدينا، فأنا وطفلي نعاني أشد المعاناة.. استخدام الإنسولين منتهي الصلاحية قد ينهي حياته، ونحتاج تدخلا دوليا عاجلا لإدخال الدواء وإنقاذ أطفالنا الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في غزة".

عشرات آلاف المرضى

وفقا لتقرير أصدرته وزارة الصحة الفلسطينية في غزة في مارس/آذار المنصرم، يواجه اليوم ما بين 70 و80 ألف مريض سكري في قطاع غزة خطرا حقيقيا، بسبب النقص الحاد وشبه الكامل لمادة الإنسولين الحيوية وشرائط فحص السكر، وانهيار المتابعة الطبية، وسوء التغذية الذي يجعل ضبط مستويات هذا المرض مهمة شبه مستحيلة.

في تقارير سابقة أكدت منظمتا الصحة العالمية وهيومن رايتس ووتش الحقوقية، أن غياب العلاج يعرض المرضى لمضاعفات قاتلة كالغيبوبة، وأن نقص الإنسولين يشكل تهديدا حقيقيا على حياتهم.

في حديثه، كشف استشاري الغدد الصماء والسكري عدلي الغوطي عن أرقام مفزعة تشير إلى وجود ما يقارب 2500 طفل في قطاع غزة مصابين بالسكري من "النوع الأول"، ويواجه هؤلاء تحديات وجودية تتجاوز حدود المرض.

أوضح الغوطي عمق المأساة قائلا: "هؤلاء الأطفال يعتمدون كليا على الإنسولين للبقاء على قيد الحياة، لكن الدواء وحده لا يكفي؛ فهم يواجهون خطرا قاتلا يتمثل في ندرة الغذاء، وصعوبة حفظ الإنسولين في درجات حرارة مناسبة نتيجة انقطاع الكهرباء، بالإضافة إلى غياب التغذية السليمة التي تعد الركيزة الأساسية لتفادي المضاعفات الحادة".

مخاطر جديّة

يحذر الطبيب الفلسطيني من أن الاعتماد على الإنسولين في ظل معدلات سوء التغذية الحالية يحول الجسد الصغير إلى ساحة للمضاعفات الخطيرة، حيث تصبح نوبات الهبوط الحاد والوفاة المفاجئة خطرا يتربص بكل طفل لا يجد وجبة تقيه غدر الإنسولين في أمعائه الخاوية. لم تتوقف تحذيرات الغوطي عند حدود الجوع، بل امتدت لتشمل "فاعلية الدواء" ذاته؛ حيث أشار إلى معضلة تقنية وقاتلة تواجه أطفال غزة، وهي انتهاء صلاحية الإنسولين أو فساده نتيجة ظروف التخزين الخاطئة. أضاف: "عندما يتجاوز الإنسولين تاريخ صلاحيته، أو يفقد برودته اللازمة، فإنه لا يتحول إلى مادة سامة فحسب، بل يفقد فاعليته الحيوية مما يجعل وخزات الحقن المتكررة التي يتحملها أطفالنا مجرد ألم بلا فائدة".

يحذر الطبيب الاستشاري من أن استخدام إنسولين منتهي الصلاحية أو "ضعيف الفاعلية" يضع الطفل في مهب الريح: "فهو يعطي الأهل شعورا زائفا بالأمان، بينما تبقى مستويات السكر في دم الطفل مرتفعة، مما يعجل بحدوث "الحماض الكيتوني السكري"، وهي حالة طارئة تفتك بالجسد في ظل انهيار المنظومة الطبية وعدم القدرة على الوصول إلى المشافي".

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد