في لحظة فارقة تمزج بين وجع الفقد وعنفوان المقاومة بالكلمة، اختار الشاعر تميم البرغوثي في برنامجه “مع تميم” أن يفتح جرحا أدبيا وإنسانيا غائرا.
خصص تميم البرغوثي حلقة (6 مايو/أيار 2026) لرثاء الشاعرة والروائية الفلسطينية هبة أبو ندى، التي ارتقت شهيدة في غزة خلال العدوان الإسرائيلي، فلم يكن ما قدمه مجرد رثاء تقليدي، بل كان حوارا شعريا متأخرا بين صوتين حال بينهما الحصار، ليلتقيا أخيرا في "منطقة الشهادة".
اعتذار مثقل بالعجز
واستهل مقدم الحلقة حديثه بسرد يقطر أسى (لمشاهدة الحلقة كاملة عبر هذا الرابط)، مستذكرا يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين أتاه نبأ استشهاد هبة مع عائلتها.
تكمن المفارقة الموجعة في الطريقة التي تلقى بها البرغوثي خبر الفقد، حين قال له أحد أصدقائه: "أصبحت كلماتك في الجنة"، ليشرح له لاحقا أن هبة أبو ندى -التي كانت قد كتبت معلقة على كلمته "تحريرها كلها بدأ"- قد ارتقت شهيدة، لتنتقل كلمات الشاعر معها إلى عالم الخلود. بمرارة بالغة، واجه لوم أصدقائها: "الآن تريد أن تتعرف إليها بعد أن استشهدت؟" فجاء رده اعتذارا علنيا، لا لشخصها فحسب، بل لواقع تحكمه "أسلاك المعابر، ودولة إسرائيل، وموظفو الموت"، أولئك الذين يحولون بين الشاعر وشعره، وبين الفلسطيني وأرضه.
يوميات النار
أفسح البرغوثي مساحة واسعة لصوت هبة، متتبعا أثر كلماتها من السادس من أكتوبر/تشرين الأول وحتى لحظة صعودها. وبدأت هبة بنص رقيق يتحدث عن "فراشات المواويل" و"الغرق في التفاصيل"، لكن تفاصيل غزة سرعان ما تحولت إلى "جغرافيا تتحول وتاريخ يتغير". عبر تدويناتها، رصدت هبة تحولات الذبح الجماعي، فمن السخرية السوداء من حاملات الطائرات الأمريكية التي تمنت تحويلها إلى "مطعم عائم" بعد التحرير، إلى قسوة الواقع الذي لم يترك وقتا لوداع لائق أو جنازة كبيرة.
كتبت هبة عن "غزة الجديدة"، تلك "المدينة الثانية" التي تُبنى في "الأعلى" بعيدا عن الحصار، حيث الأطباء يمارسون مهنتهم بلا "مرضى ولا دماء"، والشعراء يكتبون للحب الأبدي، في صياغة أدبية تعكس التوق للخلاص من جحيم الواقع.
الشاهدة والشهيدة
وفي ذروة مأساة غزة، كانت هبة ترى في كلمات البرغوثي "بيانا خُتم بالدم" نطق فيه بكل ما يجب أن يقال، تاركة وصيتها للأحياء: "إن عشنا تذكرنا تميم، وإن متنا تذكروه بالنيابة عنا".
في الرابعة و52 دقيقة من عصر 20 أكتوبر/تشرين الأول 2023، خطّت هبة كلماتها الأخيرة: "نحن في غزة عند الله، بين شهيد وشاهد على التحرير، وكلنا ننتظر.. اللهم وعدك الحق".
بعد هذا السطر بقليل، توقف النبض واستشهدت هبة وأسرتها، ليختم البرغوثي رثاءه بعبارة تحمل ثقل الأمانة والاعتراف بالتقصير: "هبة أبو ندى.. حقك علينا".